إخوان الصفاء

108

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل وأما المنامات التي تكون رؤيتها إلهاما من الملائكة أو وسواسا من الشيطان فإن الباب فيهما واحد ، وإن كان الطريقان مختلفين ، فنحتاج أن نبيّن أولا ما الملائكة والشيطان ، وما الإلهام وما الوسوسة ، إذ كان هذا الباب علما غامضا وسرّا خفيّا ، وإن كان أكثر المجادلة ينكرونها بقلوبهم ، وإن كانوا لا يظهرون إنكارها بألسنتهم مخافة السيف والشّنعة . ونبدأ أولا بوصف نفوس شياطين الإنس ، ثم نذكر نفوس شياطين الجن ، ثم نصف نفوس المؤمنين الذين هم ملائكة بالقوّة . واعلم يا أخي أن الإنسان هو الذي يجب عليه الأمر والنهي إما بموجب العقل ، أو بطريق السمع . فمتى قام بواجب حكمة أحدهما فابتدأ أولا يتعلم فقه الدين ليخرج به من ظلمة الجهالة ، ثم ابتدأ بتهذيب الأخلاق التي تخلّق بها من الصبا ، فأصلح منها ما كان فاسدا ، وكذلك نظر في عاداته التي اعتادها من الصبا في أيام الشباب ، فغيّر منها ما كان مذموما من اتّباع الشهوات المذمومة وطلب اللذات المكروهة ، وكذلك نظر في اعتقاداته المذمومة وآرائه الفاسدة التي اعتقدها من غير علم ولا بصيرة ، ولا بحث عن حقائقها ، فحلّها عن ضميره ، وأبدلها بما هو خير منها ، ثم عمل بما رسم له في الشريعة العقلية أو السمعيّة من الأعمال الصالحة ، وسار في أمور معيشته بسيرة عادلة ، ثم فكّر في أمور الدنيا واعتبار أحوالها ، وما تتصرّف به الأمور حالا بعد حال ، حتى تنتبه نفسه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، فيبصر عيوب الدنيا ويعرف غرورها ويزهد فيها ، ثم يبحث عن أمور الآخرة ويفكّر في المعاد حتى يعرفها حقّ معرفتها ، ثم يرغب فيها ويطلبها حقّ الطلب ، ويدوم على ذلك إلى الممات . فإذا فعل فإن نفسه إذا فارقت جسدها عند الموت استقلت بذاتها ، واستغنت عن التعلّق بالأجسام بعد ذلك ، وتخلصت من وسخ