إخوان الصفاء
67
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وكمن هو يعمل عملا متعبا أو صناعة شاقة يرجو عليها ثوابا جزيلا وأجرة وافرة ، فهو يجد ألما من عمله المتعب ، ولذة وفرحا لما يرجو من ثوابه . وعلى هذا القياس حكم سائر الآلام واللذات الجسمانية كما قال القائل : ومن نكد الأيام أن صروفها * إذا سرّ منها جانب ، ساء جانب أو كمن سكن عنه وجع العين وضرب ضرسه ، فإنه يجد ألما وراحة في وقت واحد . وكمن له خلق حسن وخلق سيّئ ، فإنه يجد من أحدهما راحة ومن الآخر ألما في وقت واحد . ومثل من يرى صديقا قد غاب دهرا ، وأخبر بسوء حاله ، فيسره رؤيته ويغمه سوء حاله . أو كمثل من يضع إحدى رجليه في ماء بارد ، والأخرى في ماء مغليّ ، وإحدى يديه في ماء فاتر ، فإنه يجد لذة وألما في حالة واحدة . ومثل من عمل عملا حسنا يرجو جزاء عليه ، وعملا سيئا يخاف عقوبة عليه ، فيكون متألما ملتذّا في وقت واحد . وعلى هذا المثال إذا اعتبر أحوال الناس ، فلا يخلو من ألم يؤذيه وراحة من ألم قد زال عنه ، فيكون الإنسان الواحد في وقت واحد ملتذّا متألما ، معاقبا مثابا . وإنما ذكرنا هذه الإشارات وأوردنا هذه الأمثلة من أجل أن كثيرا ممن يتكلم في علم النفس ، ويبحث عن ماهيّة جوهرها ، وكيفية تشخيصها ، يرى ويعتقد أنها أشخاص متباينة كثيرة . فأكثر ما يقوّي رأي من ظنّ أن النفس أشخاص كثيرة ما يظهر من اختلاف أحوالها وأفعالها وأخلاقها وآرائها وأعمالها ، وأن بعضها ملتذة وبعضها متألمة ، فحكم بهذا الاعتبار أنها أشخاص كثيرة منفصلة متباينة كتباين الأشخاص الجسمانية المركّبة . ثم ناقض رأيه بقوله بأنها جواهر بسيطة ، كأنه لا يدري ما معنى البسيطة . ونحن قد أخبرنا بأنها نفس واحدة تجنّست أجناسها وتنوعت أنواعها ، وقد تشخّصت بحسب اختصاصها بالأجناس الجسمانية وأنواعها وأشخاصها ، لأنها في ذاتها