إخوان الصفاء
56
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
إلى وقت معلوم . وأما الشهوات المركوزات في جبلة الحيوانات فقد ذكرنا طرفا من عللها في رسالة الأخلاق ، ولكن نذكر هاهنا ما لا بد من ذكره ، وذلك أن كل ما في كل طبيعة جسد وجبلة كلّ مزاج من الشهوات المركوزة هي ما يوافق طباعها ، ويصلح مزاجها ، وذلك أن الحيوانات الآكلة اللّحمان لا تشتهي الحشائش إلا عند الضرورة وفقدان اللحم ، وكالطيور والحيوان الآكل للعشب والحبّ لا يشتهي اللحم ولا يلتذ به . وهكذا الإنسان لا يشتهي ولا يأكل إلّا ما يوافق طبعه ومزاجه أو ما قد اعتاد أكله على ممر الأيام والأوقات . وأما شهوة العليل لما يضره فلأسباب أخر يطول شرحها . فقد تبين أن الجوع والعطش بحسب الحاجة إلى الطعام والشراب ، وأن اللذة بحسب الكفاية ، والشهوة بحسب الموافقة للمزاج والطبع ، ونريد أن نذكر في هذه الرسالة الملقّبة باللذة والآلام كون العلة في كراهية نفوس الحيوانات الموت ومحبتها للحياة فنقول : اعلم أن لمحبة الحيوانات الحياة وكراهيتها الموت علّتين : إحداهما ما يلحق نفوسها من الأوجاع والآلام . والثانية ما في طباع الموجودات من محبة للبقاء وكراهية للفناء هو من أجل أن الباري تعالى لما كان هو علّة الموجودات وسبب الكائنات ، كما بيّنّا في رسالة المبادي ، وهو أبديّ الوجود ، دائم البقاء ، صارت من أجل ذلك في جبلة الخليقة محبة البقاء وكراهية الفناء الذي هو ضد البقاء . ثم اعلم أن الموجودات نوعان : كليات وجزئيات . فالكليات تبتدئ من أتمّها ثم الأدون فالأدون إلى آخرها ، وهي تسع مراتب : أولها وأولاها البارئ تعالى الذي هو علّتها كلها ، ثم العقل ، ثم النفس ، ثم الطبيعة ، ثم الهيولى الأولى ، ثم الجسم المطلق ، ثم الفلك ، ثم الأركان الأربعة ، ثم الموّلدات الثلاثة وهي آخرها ، كما بينّا في رسالة المبادي .