إخوان الصفاء

44

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في حكمة أخرى من حكمة الموت واعلم يا أخي بأن الجسد كالسفينة ، والنفس كالملّاح ، والأعمال الصالحة كالبضاعة والأمتعة للتاجر ، والدنيا كالبحر ، وأيام الحياة كالمعبر ، والموت كالساحل المتوجّه إليه ، والدار الآخرة كمدينة التاجر ، والجنة هي الربح ، واللّه تعالى هو الملك المجازي ، كما أن التاجر إذا عبر البحر وسلمت أمتعته وبضاعته ، ولما لم يخرج من السفينة ، لا يمكنه الدخول إلى مدينة للتجارة ، ويفوته ربح بضاعته ، فهكذا حكم النفس مع الجسد أيضا ، وذلك أنها إذا قطعت أيام الحياة الدنيا بالأعمال الصالحة ، وسارت سيرة عادلة ، وتخلقت بالأخلاق الجميلة ، واعتقدت آراء صحيحة ، ونظرت في أمور المحسوسات فعرفتها معرفة صحيحة ، وبحثت عن حقائق المعقولات وأحكمتها وبلغت آخر العمر وهدم الجسد ، فليس التدبير والحيلة إلّا الفراق الذي هو موت الجسد ، فلو لم يكن الموت ، لما أمكنها الصعود إلى ملكوت السماء ولا الدخول في زمرة الملائكة ، ولا الوصول إلى الجنة وكان يفوتها لقاء اللّه تعالى ونعيم الدار الآخرة ، كما يفوت الجنين مشاهدة هذا العالم على حقيقته ، لو لبث في المشيمة ، ولم يظهر منها ؛ فإذا الموت حكمة ورحمة ونعمة ، إذ لا وصول لنا إلى ربنا إلّا بعد خروجنا من هذا الهيكل ومفارقة أجسادنا : « كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ » .