إخوان الصفاء

39

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

والمرافل لتتميم الخلقة وتكميل الصورة ، فيراها في غاية الحكمة وإتقان الصنعة من الصواب ، وما يتعجب منه أولو الألباب . ثم إذا فكر في حال الولادة ، وكيف ينقلب في الرحم ، وتنخرق المشيمة ، وتنقطع تلك الأوتار ، وتسترخي تلك الرّباطات التي كانت تمسك الجنين هناك ، وكيف يسيل الدم والرّطوبات المعدّة التي كانت هناك لمرافقه ، وما تلقاه الوالدة من الجهد والشدة ، فإنه يرى شيئا يدهش العقل ويحيّر أولي الأبصار والألباب . ولكن لما كان من حال ما ينقل إليه الجنين من فسحة هذا العالم وطيب نسيمه وإشراق أنواره ، وما يستأنف الطفل من العمل في مستقبل العمر من لذة العيش والتمتع بنعيم الدنيا ، وإذا قدّر ونجاه اللّه من ذلك المكان الضيق المظلم الناقص الحال بالإضافة إلى أحوال هذه الدار من التصرف والتقلب ، فيرى أن الحكمة والصواب كان في الخروج من هناك . فهكذا ينبغي لك يا أخي أن تعتبر لتعلم أن حال النفس مع الجسد كحال الجنين في الرحم ، وأن حالها بعد الموت كحال الطفل بعد الولادة ، لأن موت الجسد ولادة النفس ، وكذلك ولادة الطفل ليست شيئا سوى خروجه من الرحم ، وكذلك ولادة النفس ليست هي شيئا سوى مفارقة النفس إياه . فصل في ماهية الحياة فنقول : اعلم أن الموت والحياة نوعان : جسداني ونفساني ، والحياة الجسدانية ليست شيئا سوى استعمال النفس الجسد ، والموت الجسداني ليس شيئا سوى تركها استعماله ، كما أن اليقظة ليست شيئا سوى استعمال النفس الحواسّ ، وليس النوم شيئا سوى تركه استعمالها . فأما النفس فحياتها ذاتية لها ، وذلك أنها بجوهرها حيّة بالفعل ، علّامة