إخوان الصفاء

29

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فهكذا ينبغي لك يا أخي إذا شككت في مسألة مشكلة أن لا تثق بنفسك دون أن تستشير فيها إخوانك الكرام الفضلاء ، كما تستعين في أمور الدنيا ، إذا لم تنهض بشيء منها ، بإخوانك وجيرانك وأصدقائك الفضلاء الكرام . فهكذا يجب أن تكون سيرتك في أمر الدين وطلب الآخرة . وفّقك اللّه أيها الأخ للسداد ، وهداك إلى سبيل الرشاد وجميع إخواننا حيث كانوا في البلاد . فصل ثم اعلم أن الحكماء الأولين قد تكلمت في فنون من العلوم ، وضروب من الآداب ، وغرائب من الحكم كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه الواحد القهار . فمنها من تكلم في تركيب الأفلاك وأحكام النجوم . وتكلّموا أيضا في الطب والطبائع والكائنات التي تحت فلك القمر . وقوم من العلماء الشرعيين ينكرون أكثره ، إما لقصور فهمهم عما وصف القوم ، أو لتركهم النظر فيها ، واشتغالهم بعلم الشرع وأحكامه أو لعناد بينهما . وكذلك أيضا ان أكثر من ينظر في العلوم الحكمية ، من المبتدئين فيها والمتوسطين من بينهم ، يتهاونون بأمر الناموس وأحكام الشريعة ويزرون بأهله ، ويأنفون من الدخول تحت أحكامه ، إلا خوفا وكرها من قوة الملك الذي هو أخو النبوّة . كل ذلك لقصور فهم الفريقين جميعا عن معرفة حقائق هذه الأشياء المذكورة ، ولقلة علمهم أيضا بماهيّات الكائنات . ولما كان مذهب إخواننا الفضلاء الكرام النظر فيها جميعا ، والكشف عن حقائق أشيائها ، أعني العلوم الحكمية والنبوية جميعا ، وكان هذا العلم بحرا واسعا وميدانا طويلا ، احتجنا أن نتكلم في ما دعت الضّرورة إلى عمل هذه الرسائل التي هي إحدى عشرة وخمسون رسالة ، والكلام فيها بأوجز ما يمكن ،