إخوان الصفاء

16

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

الحواس لها ، بقيت تلك الرسوم مصوّرة في فكر النفس ؛ فإذا تأملتها النفس وميزتها بعقلها ، فليست تجد شيئا سوى صورة تلك المحسوسات منتزعة إلى هيولاها ، ومصوّرة في جوهر النفس ، فيكون جوهر النفس لتلك الصورة فيها كالهيولى ، وتلك الرسوم فيها كالصورة . وهكذا أيضا حال الصور المعقولة في النفس ، فإنها ليست شيئا سوى صور الأجناس والأنواع انتزعتها النفس بقوّتها المفكرة ، وصوّرتها في ذاتها ، وحملتها كحمل الهواء صور المحسوسات . وذلك أن الهواء يحمل الأصوات المختلفة ، ويؤدّيها إلى المسامع ، ويحمل الروائح ويؤديها إلى المشامّ بهيئتها لا يغير منها شيئا الا أن يعرض عارض لها ، لأن الهواء جسم لطيف روحاني حافظ للصورة . وهكذا الضياء يحمل الألوان ويؤديها إلى الأبصار بأصباغها ، ولا يخلط بعضها ببعض . لأن جوهر النفس أشدّ روحانية من جوهر الهواء والضياء جميعا . ثم اعلم يا أخي أن النفوس الجزئيّة يفضل بعضها على بعض بإحدى هذه الخصال الأربع : إحداها معارفها التي استفادتها بكونها مع الجسد . والثانية أخلاقها التي عددناها . والثالثة آراؤها التي اعتقدتها . والرابعة أعمالها التي اكتسبتها . فإذا كانت النفس كثيرة المعارف في العلوم ، وحسنة الأخلاق ، صحيحة الآراء ، صالحة الأعمال ، صوّرتها هذه الخصال صورة حسنة ، صحيحة بهيّة ، بهجة روحانية . فإذا فارقت الجسد ، واستقلّت بذاتها ، واستغنت بجوهرها عن التعلق بالأجسام ، وانجلت عنها أصداء الطبيعة ، أبصرت ورأت عند ذلك ذاتها ، وتراءت لها صورتها ، فعاينت جمالها ورونقها ، فرأت كلّ ما عملت من خير محضرا ، وكلما لاحظت ذاتها ازدادت فرحا وسرورا ولذّة ، وذلك هو جزاؤها ونعيمها وجنتها ، لا نقلة لها أبدا كما قال تعالى : « يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ