إخوان الصفاء

14

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

المريض واقف بين رجاء الحياة وخوف الممات . وهذا مثل أهل التقليد الذين لا يعرفون أمر الدين إلّا من طريق السمع ، فهم موقوفون بين الشك واليقين . والشكّ مرض النفوس ، واليقين صحتها ، فهؤلاء ليس لهم من العلم إلّا الشكّ من أجل مرض نفوسهم . ثم اعلم أن السائلين اثنان : سائل سأل حاجة من عرض الدنيا لصلاح الجسد المستحيل الفاني ، وسائل سأل مسألة من العلم يكون فيه خلاص النفس من ظلم الجهل ، وإصلاح الدين وأمر المعاد ، وطلب نعم الآخرة الباقي . وهكذا المجالس اثنان : مجلس للأكل والشرب والغناء واللذات الجسمانية من نبات الأرض ولحوم الحيوان لصلاح هذا الجسد المستحيل المتغير الفاني ، ومجلس للعلم والحكمة والسّماع واللّذات من نعيم الآخرة الباقية للنفوس الخالدة التي لا يبيد جوهرها ، ولا تفنى لذتها ، ولا ينقطع سرورها . ثم إن كل ما يؤكل من الطعام والشراب يتبين النقصان في مال صاحبه . وإذا أكل وشرب قدر ما بلغ الشّبع والرّيّ وزاد على ذلك ، صارت اللذة ألما . وإذا مكثت تلك المأكولات المشتهيّات في المعدة ساعة واستمرأت ، وأخذت الأعضاء كلّ واحد قسطا منها ، تغير ما بقي واستحال ، واحتيج إلى إخراجها ، وإلّا صارت اللذة ألما ومشقّة ومرضا وأعلالا . وأما مجالس العلم والحكمة والاستماع منها فليست تملّ النفس منها ، لأنها لذات روحانية من نعيم الآخرة وأنموذجها ولا ينقص من علم العالم المرشد ، وإن كثر المتعلمون والسامعون ، لأنها من كنوز رموز الآخرة .