إخوان الصفاء

11

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

بخلاصها ، وساحت في الملكوت ، وتبوّات من الجنة حيث شاءت فنعم أجر العاملين ! ثم اعلم أنه كما يعرض للأجسام أمراض وأعلال تخرجها من الاعتدال ، وتميل بها عن صحة مزاجها ، حتى تسقمها ، فلا تنتفع بالحياة في هذه الدار ، ولا تنتفع بنعيمها على التمام ، ولا يهنيها عيشها على الكمال . فهكذا يعرض للنفوس الجزئية الحيوانية أمراض تخرجها عن الاعتدال والطريقة الوسطى والصحة والحقّ والصّراط السويّ والهدى ، وتميل بالإنسان عن قصد سنن الهدى ، حتى لا تنتفع بالحياة في الأولى ، ولا تنال السعادة في الأخرى . وإن أمراضها أربعة أنواع وهي الجهات المتراكمة ، والأخلاق الردية ، والآراء الفاسدة ، والأعمال السيئة . ثم تتفرّع هذه كلها للنفوس الجزئية البشرية لشدة ميلها إلى الشهوات الجسمانية التي هي نيران واقدة تتوقد على الأفئدة بأنواع الغموم المقلقة والهموم الحرقة ، لشدّة غرورها باللذات الجرمانية التي هي استراحات عن الآلام الطبيعية والمؤذيات الهيولانيّة . فصل ثم اعلم أن لمرض النفوس علاجات وطبّا تداوى بها ، كما أن لمرض الأجساد طبّا يعالج به ، وعقاقير يداوى بها ، ولها كتب وضعتها الحكماء موصوف فيها علاجاتها ؛ فهكذا أيضا لمرض النفوس كتب وقوانين علمية جاءت بها الأنبياء والحكماء ، مذكور فيها علاجات الأمراض النفسية ، وهو لاقتداء بسنّة الناموس ، واجتناب المحارم والانتهاء عن المناهي ، والأخذ بسنّته الحسنة ، والسير بسيرته العادلة ، ولزوم طلب المعارف ، والتخلّق بالأخلاق الجميلة ، ولزوم سنّة الهدى على الطريقة الوسطى في طلب معيشة الحياة الدنيا والسعي بالأعمال الصالحة في طلب نعيم الآخرة ، مداواة النفوس