إخوان الصفاء
60
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل واعلم يا أخي بأن الجنّة إنما هي عالم الأرواح ، وكله صورة روحانيّة ، لا هيولى جرمانية ، بل حياة محضة وراحة ولذّة وسرور وغبطة ، لا يعرض لها الكون والفساد ، ولا التغيير والبلى ، لأنها هي دار الحيوان ، لو كانوا يعلمون . فإذا كانت الدار هي الحيوان ، فما ظنّك يا أخي بأهل الدار كيف حالهم ، فإنه يقصر الوصف عنهم إلّا بالاختصار ، كما ذكر اللّه تعالى في كتابه على لسان نبيه محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين ، وأنتم فيها خالدون » . واعلم يا أخي أن النار وجهنّم هي عالم الأجسام التي تحت فلك القمر ، الذي هو دائم في الكون والفساد والتغيير والاستحالة والبلى ، وأن أهلها « كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب » فازهد يا أخي في غرور هذه الدار كما زهد أنبياء اللّه ، عزّ وجلّ ، وأولياؤه والفلاسفة الحكماء ، فقد علمت أنها ليست بدار المقام ، فاستعدّ للرّحلة والانتقال باختيار منك لا مكرها ولا مجبرا قبل فناء العمر وتقارب الأجل . واعلم أنه لا يستوي لك هذا إلّا بعد أن تعرف فضل الآخرة على الدنيا ، معرفة صحيحة بلا شكّ ولا تقليد ، لأن جبلة الإنسان أن لا يزهد في الحاضر العاجل ، ولا يرغب في الغائب الآجل ، إلّا بعد معرفة فضل الآجل الغائب على العاجل الحاضر . واجتهد يا أخي في معرفة طلب ما أشار إليه أنبياء اللّه تعالى في الكتب المنزلة على ألسنتهم ، المأخوذة عن الملائكة معانيها في وصف نعيم الجنان وسعادة أهلها ، وصفة النيران وشقاوة أهلها ، وما أشار إليه أيضا الفلاسفة والحكماء في رموزهم من وصف عالم الأرواح ، ومدح أهلها ، وذمّهم عالم الأجسام ، وسوء ثنائهم على أهلها . ولعلك تتصوّر بعقلك ما تصوّروا ،