إخوان الصفاء

54

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

لامتلأ الهواء من الأصوات ولعظم الضرر منها ، حتى لا يمكن أن يسمع ما يحتاج إليه من الكلام والأقاويل . وهكذا لو يبست النيران وجفّت ، لما سرت في الأجسام ولم تنضجها ، وبقيت الأشياء التي يراد نضجها فجّة غليظة . فانظر يا أخي وتفكّر في حكمة الباري سبحانه ، إذ جعل ثبات النيران بحسب مراد المستعمل لها ، فإذا استغنى عنها ردّها إلى العدم بأسهل السّعي ؛ فلو بقيت بحالها لعظم الضرر منها وقلّ الانتفاع بها . ومن الصّور المتمّمة لذات النار اللطافة التي تولّدها الحرارة ، وتتلوها سرعة النفوذ في الأجسام . ومن الصّور المتمّمة لذات النار أيضا النور ويتلوه الإشراق . فقد اجتمعت في جرم النار عدّة صور كلّها متمّمة لها ، وهي الحركة والحرارة واليبوسة واللطافة والنور . وهي بكل صورة تفعل فعلا غير ما تفعل بالأخرى ، وذلك أنها بالحركة تغلي الأجساد ، وبالحرارة تسخّن ، وباليبوسة تنشّف ، وباللطافة تنفذ في الأجسام ، وبالنور تضيء ما حولها ، وبالحرارة والحركة تحيل الأجسام إلى ذاتها . وأما الصورة المقوّمة لذات الأرض فهي السكون الذي هو ضدّ الغليان ، والتالية المتمّمة لها البرودة ، والتالية للبرودة اليبوسة ، والتالية لها تماسك أجزائها . ومن الصّور المتمّمة لها أيضا غلظة جوهرها ، ومن غلظة جوهرها تماسك أجزائها ، ومن تماسك أجزائها نشأت الكائنات على ظهورها من الحيوان والنبات والمعادن . واعلم يا أخي بأن اليبوسة نوعان ، إحداهما تابعة للحرارة وهي فاضلة ، والأخرى تابعة للبرودة وهي رذلة . وذلك أن اليبوسة التابعة للحرارة هضمة نضجة « 1 » ، والتي تتبع البرودة فجّة غير نضجة . ومثال ذلك يبوسة الياقوت والبلّور وأشباهها ، فإنها قد أنضجتها بالطبخ حرارة المعدن ، فهي لا تستحيل

--> ( 1 ) هضمة نضجة : المذكور في المعاجم ، هضيمة نضيجة .