إخوان الصفاء
6
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
ثم سأله عن مذهبه ، فقال : « لا ينسب إلى شيء ، ولا يعرف له حال ، حيث أنه تكلم في كل شيء ، وغليانه في كل باب ، ولاختلاف ما يبدو من بسطته ببيانه وسطوته بلسانه . » وقال أيضا إنه أقام بالبصرة وصادق « 1 » بها جماعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة ، وذكر أسماء الأربعة الآخرين ؛ وإن زيد بن رفاعة صحبهم وخدمهم ، مما يدل على أنه كان دونهم منزلة ، وعلما ، مع ما هو عليه من المعرفة وسعة الاطلاع . ثم أبان عن أمر هذه الجماعة فقال : « وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة وتصافت بالصداقة واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة . فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان اللّه . وذلك أنهم قالوا إن الشريعة قد دنّست بالجهالات ، واختلطت بالضلالات ، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة ، لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية . وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة الاجتهادية اليونانية ، والشريعة العربية فقد حصل الكمال . » وسأله الوزير عن المقدسي ، وما يقول في الشريعة والفلسفة ، فروى حديثا له يستدل منه أنه يؤثر الفلسفة على الشريعة ، حيث يقول : « الشريعة طبّ المرضى ، والفلسفة طب الأصحاء . والأنبياء يطبّون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم ، وحتى يزول المرض بالعافية فقط . وأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها ، حتى لا يعتريهم مرض أصلا . فبين مدبّر المريض وبين مدبر الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف ، لأن غاية تدبير المريض أن ينتقل به إلى الصحة ، هذا إذا كان الدواء ناجعا ، والطبع قابلا ، والطبيب ناصحا . وغاية تدبير الصحيح أن يحفظ الصحة ، وإذا حفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل وفرّغه لها وعرّضه لاقتنائها ، وصاحب هذه الحال فائز بالسعادة العظمى ، وقد صار مستحقّا للحياة الإلهية . والحياة الإلهية هي الخلود والديمومة . وإن كسب من يبرئ من المرض بطب صاحبه الفضائل أيضا ، فليست تلك الفضائل من جنس هذه الفضائل ، لأن إحداهما تقليدية
--> ( 1 ) صادف ظ