إخوان الصفاء

448

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

المحيط ، والمحرّك للفلك هو غير الفلك ، وأن تسكين الفلك عن الحركة بطلان العالم ، وإنما يكون طرفة عين كما قال ، عزّ وجلّ : « وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ » . واعلم بأنه إن وقف الفلك عن الدوران ، وقفت الكواكب عن مسيرها ، والبروج عن طلوعها وغروبها ، وعند ذلك تبطل صورة العالم وقوامه ، وتقوم القيامة الكبرى ، وهذا لا محالة كائن ، لأن كلّ شيء في الإمكان ، إذا فرض له زمان بلا نهاية ، فلا بد أن يخرج إلى الفعل ؛ ووقوف الفلك عن الدّوران من الممكن ، لأن الذي يحرّكه يمكنه أن يسكّنه ، وهو أهون عليه وله المثل الأعلى . وقد بيّنّا في رسالة المبادي ما العلة في حدوث عالم الأجسام ، وفي رسالة البعث والقيامة ما علّة فناء عالم الأجسام . فصل في أن الانسان إذا ارتقى نفسا صار ملكا واعلم يا أخي أن الإنسان إذا سلك في مذهب نفسه ، وتصرّف في أحوالها ، مثل ما سلك به في خلق جسده وصورة بدنه ، فإنه سيبلغ أقصى نهاية الإنسانية مما يلي رتبة الملائكة ، ويقرب من باريه ، عزّ وجلّ ، ويجازى بأحسن الجزاء ، مما يقصر الوصف عنه ، كما وصف اللّه ، عزّ وجلّ ، فقال : « فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » . وأما ما سلك به في خلقه فهو أنه ابتدئ من نطفة من ماء مهين ، ثم كان علقة « 1 » جامدة في قرار مكين ، ثم كان مضغة « 2 » ، ثم كان جنينا مصوّرا تامّا ، ثم كان طفلا متحرّكا حسّاسا ، ثم كان صبيّا ذكيّا فهما ، ثم كان شابّا متصرّفا قويّا نشيطا ، ثم كان كهلا مجرّبا عالما عارفا ، ثم كان شيخا حكيما فيلسوفا ربّانيّا ، ثم

--> ( 1 ) العلقة : القطعة الجامدة من الدم . ( 2 ) المضغة : قطعة لحم .