إخوان الصفاء

440

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

السّراب ويتأمّله ، فيظن أنه غدران وأنهار . وإنما دخل الخطأ عليه لأنه حكم على حقيقته بحاسّة واحدة ، وليس كلّ الأشياء تعرف حقائقها بحاسّة واحدة ، ذلك أن بحاسّة البصر لا يدرك إلّا الألوان والأشكال ، وحقيقة الماء لا تعرف باللون واللمس والشّكل ، بل بالذوق ، وذلك أن كثيرا من الأجساد السّيّالة تشبه لون الماء مثل الخلّ المصعّد « 1 » والنّفط الأبيض وما شاكلهما . واعلم بأن لكلّ جنس من المحسوسات حاسّة تعرف بها حقيقة ذلك الجنس ، والأجسام السيّالة يعرف فرق ما بينها وبين غيرها باللّمس ، وبعضها يعرف الفرق بينها بالذوق ، وألوانها تعرف بالبصر ، فلا ينبغي للمتأمل أن يحكم على حقيقة شيء من المحسوسات إلّا بتلك الحاسّة المختصة بمعرفة حقيقة ذلك الجنس من المحسوسات ، كما بيّنّا في رسالة الحاسّ والمحسوس . ونرجع الآن إلى ما كنا فيه فنقول : وأما قوله : ينبغي أن يوضع في القياس البرهاني أولا شيء معلوم : هل هو ، وما هو ؟ ليعلم به شيء آخر ، كما يفعل المهندس فيضع خطّ ا - ثم يعمل عليه مثلّثا متساوي الأضلاع ، أو يقسمه بقسمين ، أو يقيم عليه خطّا آخر ، أو يعمل عليه زاوية ، وما شاكل ذلك مما قد ذكر في كتاب أقليدس وغيره من كتب الهندسة . والمعلوم : هل هو ، وما هو ، خط ا - والمطلوب المجهول ، ليعلم أو يعمل ، هو المثلث . فهكذا ينبغي أيضا أن يعمل في القياس البرهاني أن تؤخذ أولا أشياء مما هي معلومة في أوائل العقول ، ويركّب التأليف ضربا من التركيب ، ثم يطلب بها أشياء مجهولة ، ليس تعلم بأوائل العقول ، ولا تدرك بالحواس . وأما قوله : ولا ينبغي في البرهان أن يكون الشيء علّة لنفسه ، فهذا بيّن في أوائل

--> ( 1 ) المصعد : كل شراب عولج بالنار .