إخوان الصفاء
44
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
في الناس أن هلموا وادخلوا هذا البستان ، وكلوا من ثمارها « 1 » ما اشتهيتم ، وشموا من رياحينها ما اخترتم ، وتفرجوا كيف شئتم ، وتنزهوا أين هويتم ، وافرحوا واطربوا ، وكلوا واشربوا ، وتلذذوا وتنعموا ، واستروحوا بطيبها وتنسموا بروائحها . فلم يجبه أحد ، ولم يصدقه خلق ، ولا عبئوا به ، ولا التفتوا إليه ، استعظاما لقوله ، واستبعادا لوصفه ، واستنكارا لكلامه ، واستغرابا لذكره ، فرأى الحكيم من الرأي أن وقف على باب البستان ، وأخرج مما فيه تحفا ، وطرفا ولطفا « 2 » ، من كل ثمرة طيبة ، وفاكهة لذيذة ، وريحان زكي ، وورد جني ، ونور أنيق ، وجوهر بهي ، وطير غرد ، وشراب عذب ، فكل من مرّ به عرضها عليه ، وشهّاها إليه ، وذوّقه منها وحيّاه بها ، وأشمّه من فوائح الرياحين ، وأسمعه من بدائع التلحين ، حتى إذا ذاق وشمّ وفرح به ، وطرب منه ، وارتاح إليه واهتز ، وعلم أنه قد وقف على جميع ما في البستان ، ومالت إليه نفسه ، واشتاق إلى دخول البستان وتمنّاه ، وقلق إليه ولم يصبر عنه ، فقال له عند ذلك : ادخل البستان ، وكل ما شئت ، وشمّ ما شئت ، واختر ما شئت ، وانظر كيف شئت ، وتنزّه أين شئت ، وجيء من أين شئت ، وتلذّذ وتنعّم وتطيّب وتنسّم ! فهكذا ينبغي لمن حصلت عنده هذه الرسائل والرسالة . لا يضيّعها بوضعها في غير أهلها ، وبذلها لمن لم يرغب فيها ، ولا يظلمها بمنعها عن مستحقّها وصرفها عن مستوجبها ، ولا يعرّفها إلا لكل حرّ ، خيّر سديد ، مبصر للقصد ، مجلب للرشد ، من طالبي العلم ومؤثري الأدب ، ومحبّي الحكم ، وليتحرّز في حفظها وإسرارها وإعلانها وإظهارها كلّ التحرّز ، ويحرسها غاية الحراسة ، ويصنها أحسن الصّيانة ، وليكن المؤدّي فيها حقّ الأمانة بأن
--> ( 1 ) وكلوا من ثمارها : على إرادة الجمع ، كما في الكلام السابق ، أو على تأنيث البستان ، لأنه بمعنى الجنة . ( 2 ) اللطف : جمع لطفة ، وهي الهدية .