إخوان الصفاء

436

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وهكذا يظنّ كثير منهم أن خارج العالم فضاء بلا نهاية إما ملاء « 1 » وإما خلاء ، قياسا على ما يجدون من خارج دورهم من أماكن أخر ، وخارج بلدهم بلدانا أخر ، وخارج عالمهم عالم الأفلاك ، وهكذا يظنون أن الباري ، عزّ وجلّ ، خلق العالم في مكان وزمان ، قياسا على ما يجدون من أفعالهم وصنائعهم في مكان وزمان . ولهذه العلّة ظنّ كثير منهم أن الباري ، جلّ جلاله ، جسم ، قياسا على ما شاهدوا ، إذ لم يجدوا فاعلا إلّا جسما ، ووجدوا الباري فاعلا ، وإذا ارتاضوا في العلوم الإلهية ، استبان لهم أن الأمر بخلاف ذلك كما بيّنّا في الرسالة الإلهية . واعلم يا أخي بأن الانسان لا يرتقي في درجات العلوم والمعارف رتبة إلا وتسنح له أمور يكون علمه بها قبل البيان والكشف كظنونه بالأشياء المحسوسات قبل معرفة حقائقها وهو طفل كما بيّنّا قبل . فصل في معقولات الحواس ونتائجها واعلم يا أخي بأن نسبة المعلومات التي يدركها الإنسان بالحواسّ الخمس ، بالإضافة إلى ما ينتج عنها في أوائل العقول ، كثيرة كنسبة الحروف المعجمة بالإضافة إلى ما يتركّب عنها من الأسماء . ونسبة المعلومات التي هي في أوائل العقول ، بالإضافة إلى ما ينتج عنها بالبراهين والقياسات من العلوم ، كثيرة ، كنسبة الأسماء إلى ما يتألّف عنها في المقالات والخطب والمحاورات من الكلام واللغات ، والدليل على صحة ما قلنا بأن المعلومات القياسية أكثر عددا من المعلومات التي هي في أوائل العقول ما ذكر في كتاب أقليدس ، وذلك أنه يذكر في صدر كل مقالة مقدار عشر معلومات أقلّ أو أكثر مما هي في أوائل العقول ، ثم يستخرج من نتائجها مائتي مسألة معلومات برهانيّة ،

--> ( 1 ) الملاء : الجسم في اصطلاح الحكماء ، ومدّ هنا كالخلاء للازدواج .