إخوان الصفاء
42
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الهيوليّات ، يرتب كلّ موجود مرتبة ، وينزله منزلة ، ويوفّيه قسطه في لزوم النّظام والبلوغ إلى التمام ، ولذلك جعل له القوة الحافظة على سائر الموجودات ووجوداتها العاقلة ، لهم ذواتها الخاصة بواحد واحد منها ، يستحقها أو يليق بها ، فلذلك يشار إلى ذاتها باسم الفعل الصادر عنها ، إذ فعله ذاته ، وصورته تأثيراته . فهذا هو السابق البادي ، ثم يليه اللاحق التالي ، وهو القوة المخترعة بوساطته المبدعة بها الذوات من سائر الموجودات ، أفضل أحوالها في الوجود الذي هو الحياة ؛ وهي النفس التي بها أعطى الأجسام أفضل صورها وأتمّ وجودها . ولما تصوّرت الأجسام بها وانطبعت فيها ، حصلت لها بها قوة تتعلّق بها الأجسام على قدر اختلافها ، فحصل صورة كل واحد منها ، مخالفة لصورة الآخر ، وهو الطبيعة الباقية في الأجسام ، يحصل بها التخلّق والتصوّر والتشكّل بالصورة الخاصة لواحد واحد منها ، وهي قوة وضعها الباري ، جل جلاله ، في الجسم وعلّق قوامه بوجودها فيه ، وصيّره بخاصّتها للتحرّك به إلى تمام معدّ له وغاية ، قدّر لبلوغه اليه ، ووقوفه عنده ، إلّا ان يعوقه عائق من خارج فيمتنع من حركته إلى أن ينقطع ذلك ، فيعود إلى حركته الخاصّيّة . ثم الهيولى الأولى التي هي ذات بالقوة لا موجود بالفعل ، يخرج إلى الوجود بالفعل بقبول الصورة التي بها يصير الشيء هو ما هو ، ويفارقه كون العدم ، والعدم هو لا موجود بالفعل ، ولا موجود بالذات ، موجود بالعرض ، فسبحان خالق الوجود والعدم ، وباسط الأنوار والظّلم ، موجد وجود كل موجود فينعدم ، ومعيده فينصرم ، ومنشئه فيبلى ، ومبقيه ليبقى ، منه المبدأ وإليه المنتهى . تمّ الكلام على الرسائل . وتليها « الرسالة الجامعة لما في هذه الرسائل المتقدمة كلها ، المشتملة على حقائقها بأسرها . » والغرض منها إيضاح حقائق ما أشرنا إليه ونبهنا في هذه الرسائل عليه ، أشد الإيضاح والبيان ، يأتي على ما فيها فيتبين حقائقها ومعانيها