إخوان الصفاء

405

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ولما تبيّن لهم هذه الأشياء ، كما ذكرنا ، لقّبوا وسمّوا الأشياء المتقدمة في الوجود الهيولى ، وسموا الأشياء المتأخرة في الوجود الصورة ؛ ولما بان لهم أن الصورة نوعان : مقوّمة ومتمّمة ، كما بيّنّا في رسالة « الكون والفساد » ، سمّوا الصّور المقوّمة جواهر ، وسمّوا الصّور المتمّمة أعراضا ؛ ولما بان لهم أيضا أن الصّور المقوّمة حكمها حكم واحد ، قالوا : إن الجواهر كلّها جنس واحد . وكذلك لما تبيّنوا أن الصّور المتمّمة أحكامها مختلفة قالوا : إن الأعراض مختلفة الأجناس ، وهي تسعة أجناس مثل تسعة آحاد . فالجوهر في الموجودات كالواحد في العدد ، والأعراض التسعة كالتسعة الآحاد التي بعد الواحد ، فصارت الموجودات كلّها عشرة أجناس مطابقة لعشرة آحاد ، وصارت الأعراض مرتّبة بعضها تحت بعض كترتيب العدد وتعلّقه في الوجود عن الواحد الذي قبل الاثنين . فأما الألفاظ العشرة التي تتضمّن معاني الموجودات كلّها فهي قولهم : الجوهر والكمّ والكيف والمضاف والأين ومتى والنّصبة ( الوضع ) والملكة ويفعل وينفعل . فصل واعلم يا أخي بأن كل لفظة من هذه الألفاظ اسم لجنس من الأشياء الموجودة ، وكلّ جنس ينقسم إلى عدة أنواع ، وكلّ نوع إلى أنواع أخر ، وهكذا دائما إلى أن تنتهي القسمة إلى الأشخاص كما سنبيّن بعد . واعلم يا أخي بأن الحكماء لما نظروا إلى الموجودات ، فأول ما رأوا الأشخاص مثل زيد وعمرو وخالد ؛ ثم تفكروا فيمن لم يروه من الناس الماضين والغابرين جميعا ، فعلموا ان كلّهم تشملهم الصّورة الإنسانية ، وإن اختلفوا في صفاتهم من الطّول والقصر والسّواد والبياض والسّمرة