إخوان الصفاء

402

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في حاجة الانسان إلى المنطق واعلم أيها الأخ أنه لو أمكن الناس أن يفهم بعضهم من بعض المعاني التي في أفكار نفوسهم من غير عبارة اللسان ، لما احتاجوا إلى الأقاويل التي هي أصوات مسموعة ، لأن في استماعها واستفهامها كلفة على النفوس من تعليم اللغات وتقويم اللسان والإفصاح والبيان ، ولكن لما كانت نفس كل واحد من البشر مغمورة في الجسد ، مغطّاة بظلمات الجسم ، حتى لا ترى واحدة منهما الأخرى إلّا الهياكل الظاهرة التي هي الأجسام الطويلة العريضة العميقة ، ولا يدري ما عند كل واحدة منها من العلوم إلّا ما عبّر كلّ إنسان عمّا في نفسه لغيره من أبناء جنسه ، ولا يمكنه ذلك إلّا بأدوات وآلات مثل اللسان والشفتين واستنشاق الهواء ، وما شاكلها من الشرائط التي يحتاج الإنسان إليها في إفهامه غيره من العلوم ، واستفهامه منه ، فمن أجل هذا احتيج إلى المنطق اللفظي وتعليمه ، والنظر في شرائطه التي يطول الخطاب فيها . فأما النفوس الصافية الغير المتجسّدة فهي غير محتاجة إلى الكلام والأقاويل في إفهام بعضها بعضا من العلوم والمعاني التي في الأفكار ، وهي النفوس الفلكية ، لأنها قد صفت من درن الشهوات الجسمانية ، ونجت من بحر الهيولى وأسر الطبيعة ، واستغنت عن الكون مع الأجساد المظلمة التي هي أسفل السافلين وعالم الكون والفساد ، وارتفعت إلى أعلى أفق العالم العلويّ ، وسرت في الجواهر النيّرة والشفّافة التي هي الكواكب والأفلاك ، وذلك كما توجب الحكمة الإلهية والعناية الرّبّانية ، إذ لم تقرن بالأجسام الساترة ، ولم تحتج إلى كتمان أسرارها ، ولا إلى إخفاء ما في ضمائرها ، إذ كانت صافية من الخبث والدّغل ، وبريئة من الإضمار للشرّ ، فقرنت بالجواهر النيّرة والأكر الشّفّافة التي يتراءى الجزء منها في الكلّ ، والكلّ يتراءى في الجزء ، كما تتراءى وجوه المرايا المجلّاة بعضها في بعض ، وكما تتراءى