إخوان الصفاء

386

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

مع الآخرة ، كمثل مشرقكم ومغربكم ، كلما أقبلتم إلى المغرب ازددتم من المشرق بعدا ، وكلما أقبلتم إلى المشرق ازددتم من المغرب بعدا . وقيل في بعض كتب بني إسرائيل : رغّبناكم في الآخرة فلم ترغبوا ، وزهّدناكم في الدنيا فلم تزهدوا ، وخوّفناكم من النّار فلم تخافوا ، وشوّقناكم إلى الجنة فلم تشتاقوا ، ووبّخناكم فلم تبكوا . بشّر القائلين بأن اللّه سيفا لا ينام ، وهو نار جهنم . ويقول اللّه تعالى : يا ابن آدم خيري إليك نازل ، وشرّك إليّ صاعد ، أتحبّب إليك بالغنى ، وأنت تتبغّض إليّ بالمعاصي ، لا يزال يأتيني كل يوم ملك كريم بقبيح أفعالك . يا ابن آدم ، أما تراقبني ، أما تعلم أنك بعيني ؟ يا ابن آدم ، اذكرني عند خلواتك ، وعند حضور الشهوات الحرام ، واسألني أن أنزعها من قلبك ، وأعصمك عن معصيتي ، وأبغّضها إليك ، وأيسّر لك طاعتي وأحبّبها إليك ، وأزيّنها في عينيك . يا ابن آدم ، إنما أمرتك ونهيتك لتستعين بي وتعتصم بحبلي ، لئلا تستغني وتتولّى عني ، فأعرض عنك ، وأنا الغنيّ عنك وأنت الفقير إليّ ؛ إنما خلقتك في الدنيا وسخّرتها لك لتستعدّ للقائي وتتزوّد منها للقدوم علي ، لئلا تعرض عني وتخلد إلى الأرض . واعلم يا ابن آدم بأن الدار الآخرة خير لك من الدّنيا ، فلا تختر غير ما اخترت لك ، ولا تكره لقائي ، فإنه من كره لقائي كرهت لقاءه ، ومن أحبّ لقائي أحببت لقاءه . فصل في عظات مختلفة تأمل يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، ما ترى من الأمور الدّنيويّة ، واعتبر بما تشاهد فيها من تصاريفها بأهلها حالا بعد حال ، وتفكّر فيما ذكرنا في هذه الرسالة من هذه الحكايات عن أنبياء اللّه وأوليائه وعباده الصالحين ، وما وصفنا من أخلاقهم الحسنة وسيرتهم العادلة وأفعالهم الجميلة ، فاجتهد أن