إخوان الصفاء

381

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وجوعه وعطشه في الدنيا ، هم الأخيار الأبرار الذين إن شهدوا « 1 » لم يعرفوا ، وان غابوا لم يفتقدوا ، يعرفهم أهل السماء ، ويخفون على أهل الأرض ، تشتاق إليهم البقاع وتحفّ بهم الملائكة ، ينعم الناس بالدّنيا ، وينعمون بالجوع والعطش ، لبس الناس ليّن الثياب ، ولبسوا الخشن ، افترش الناس الوطاء « 2 » ، وافترشوا هم الجباه والركب ، ضحك الناس وبكوا هم . يا أسامة ، ألا لهم الشّرف الأعلى يوم القيامة ، وددت أني رأيتهم ، وبقاع الأرض لهم رجيبة ، والجبّار عنهم راض ، والراغب إلى اللّه من رغب فيما رغبوا ، والخاسر من خالفهم ، تبكي الأرض إذا فقدتهم ، ويسخط الجبّار على بلد ليس فيه منهم أحد . يا أسامة ، إذا رأيت أحدهم في قرية ، فاعلم أنه أمان لأهلها ، لا يعذّب اللّه قوما فيهم منهم أحد ؛ اتخذهم ، يا أسامة ، لنفسك أصحابا ، عساك تنجو معهم ، وإياك أن تسلك غير طريقهم ، فتزلّ قدمك ، فتهوي في النار . يا أسامة ، ترك القوم الحلال من الطعام والشراب ، طلبوا الفضل في الآخرة ، ولم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف ، أكلوا العلق « 3 » ، ولبسوا الخلق ، تراهم شعثا غبرا ، إذا رآهم الناس ظنّوا ان بهم داء ، وما بهم داء ، وظنّوا أنهم خولطوا « 4 » وما خولطوا ، ولكن خالط القوم أمر عظيم ؛ ظنّ الناس أن قد ذهبت عقولهم وما ذهبت ، ولكن نظروا بقلوبهم إلى أمر إلهيّ ، فهم في الدنيا عند أهلها يمشون بلا عقول . يا أسامة ، عقلوا حين ذهبت عقول الناس ، طوبى لهم وحسن مآب ، ألا لهم الشرف الأعظم ! ويحكى عن بعضهم أنه كان يسمع في خلواته وهو يقول : يا ربّ ، ويحي ! كيف أغفل ، ولست بمغفول عني ، أم كيف يهنئني العيش ،

--> ( 1 ) شهدوا : حفروا . ( 2 ) الوطاء : الفراش الليّن . ( 3 ) العلق : جمع العلقة وهو ما يتبلغ به من العيش . ( 4 ) خولطوا : أي أصابهم مسّ من الجنون .