إخوان الصفاء

378

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

واعلم يا أخي بأن هؤلاء القوم الذين تقدّم ذكرهم هم ورثة أنبياء اللّه وخلفاء رسله في الأرض ، وأن الذي ورثوه منهم إنما هو العلم والإيمان والتعبّد ، وقبول التأييد والإلهام ، والزهادة في الدنيا وترك طلبها ، والرغبة في الآخرة والاشتياق إليها ، وذلك أنهم متشبهون بالملائكة في أفعالهم وأخلاقهم وسيرتهم من تركهم الشهوات الجسمانية ، وإعراضهم عن اللذات الحسّية المركوزة في الطبيعة ، بالامتناع عنها بعد المقدرة عليها ، مع شدة مجاذبة الطبيعة لهم إليها ، وهم يتركونها باجتهاد منهم وعناية شديدة بعد الفكر والرويّة ، ويختارون الشدة على الرخاء ، والتعب على الراحة ، ومخالفة الهوى وحمل ثقل التعبد على النفس ؛ وكلّ ذلك لمرضاة اللّه والاقتداء بأنبيائه ورسله في سنّة الدين ، فلا جرم أنهم ملائكة بالقوة ، فإذا فارقت نفوسهم أجسادهم ، كانت ملائكة بالفعل ، فهذا الذي كان الغرض من رباط النفس بالجسد ، أن تصير النفس الناطقة ملكا من الملائكة بالفعل بعد ما كانت بالقوّة . واعلم يا أخي بأنه لو لم يكن في قوة النفس الناطقة أن تصير ملكا بالفعل ، لما جاءت الوصيّة من اللّه تعالى لها يأمرها بالتشبّه بالملائكة في أفعالها وأخلاقها وسيرتها ، ولا كانت موعودة بملاقاتها ومخاطبتها مثل قوله ، جلّ ثناؤه : « تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا ، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ » يعني المؤمنين عند قبض أرواحهم مثل قوله تعالى : « الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ، يَقُولُونَ : سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » . ومثله قوله تعالى : « وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ! » وآيات كثيرة في القرآن في هذا المعنى يطول تعدادها . واعلم يا أخي أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الصالحين هم الذين سمّاهم اللّه تعالى أولي الألباب وأولي النّهى وأولي الأبصار ، وهم أولياء اللّه وأحبّاؤه ،