إخوان الصفاء

376

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

للّه ، ولا يخدمون إلّا إيّاه ، ولا يرغبون إلّا إليه ، ولا يرجون إلّا منه ، ولا يسألون إلّا هو ، ولا يخافون غيره ، وهم من خشيته مشفقون . كلّ ذلك لصحة آرائهم وتحقّق اعتقادهم في ربهم ، وشدّة استبصارهم أنه لا يقدر على ذلك بالحقيقة إلّا اللّه تعالى . وهذا الاعتقاد الحقّ والرأي الصحيح الجميل ، ينتج لهم من صحة معرفتهم بربهم وتيقّن علمهم به ، وذلك انهم يرونه رؤية الحق في جميع متصرّفاتهم ، ويشاهدونه في كل حالاتهم ، لا يسمعون إلّا منه ، ولا ينظرون إلّا إليه ، ولا يرون غيره على الحقيقة ، فمن أجل ذلك انقطعوا إليه عن الخلق ، واشتغلوا بالخالق عن المخلوق ، وبالرب عن المربوب ، وبالصانع عن المصنوع ، وبالمسبّب عن السّبب ، وتساوت عندهم الأماكن والأزمان ، وانمحقت الأغيار « 1 » عند رؤيتهم حقيقته ، فتركوا الشك وأخذوا باليقين ، وباعوا الدّنيا بالدين ، وربحوا السلامة من التعب والعناء ، وعاشوا في الدنيا آمنين ، ورحلوا عنها سالمين ، ووصلوا إلى الآخرة غانمين ، لأنهم كانوا في الدنيا محسنين ، وما على المحسنين من سبيل . وقد ذكر اللّه تعالى نعت هؤلاء القوم في القرآن في آيات كثيرة ، وأثنى عليهم ومدحهم . ووردت عن النبي ، عليه السلام ، أخبار كثيرة في نعتهم وصفتهم ومدحهم وحسن الثناء عليهم ، ومن ذلك ما روي عنه ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : لا يزال في هذه الأمة أربعون رجلا من الصالحين على ملّة إبراهيم الخليل ، عليه السلام . فقيل : يا رسول اللّه ، خبّرنا عن ملّة إبراهيم عند ربه . فقال : إنه كان حنيفا مسلما سليم القلب ، وذلك أنه لما همّ به قومه يقذفونه في النار ، بكت الملائكة في السماء رحمة له ، فأوحى اللّه ، سبحانه ، إلى جبرائيل : أن الحقه وأعنه إن استعان بك ، فجاء جبرائيل ، عليه السلام ، وهو « 2 » في المنجنيق ، ليرمى به في النار . فقال له : يا إبراهيم

--> ( 1 ) الأغيار : جمع غير . ( 2 ) وهو : أي إبراهيم الخليل .