إخوان الصفاء

366

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

شيطانان بالإضافة إلى النفس الناطقة . ثم تأملت وبحثت ودقّقت النظر ، فوجدت جميع الأعمال الزكيّة والأفعال الحسنة التي هي منسوبة إلى النفس الناطقة إنما هي لها بحسب آرائها الصحيحة واعتقاداتها الجميلة . ثم وجدت تلك الآراء والاعتقادات إنما هي لها بحسب أخلاقها المحمودة المكتسبة بالاجتهاد والرويّة ، والعادات الجارية العادلة ، أو ما كانت مركوزة في الجبلة ، فتبيّنت عند ذلك ، وعرفت بهذا الاعتبار أن أصل جميع الخيرات وصلاح الإنسان كلّها هي الأخلاق المحمودة المكتسبة بالاجتهاد والرويّة ، والمركوزة في الجبلة ، وتبين لي وعرفت أيضا أن أصل جميع الشرور وفساد أمور الإنسان كلّها هي الأخلاق المذمومة المكتسبة بالعادات الجارية منذ الصبا من غير بصيرة ، أو ما كانت مركوزة في الجبلة ؛ فلما تبين لي ما قلت ، وعرفت حقيقة ما وصفت ، تأملت قول النبي ، صلى اللّه عليه وعلى آله أجمعين : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » وقول اللّه تعالى : « إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا » يعني خالفوه وحاربوه كما تحاربون أعداءكم المشركين ، فتبين لي بقول النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، وقول اللّه ، عز وجلّ ، أن العدوّ جنسان والعداوة نوعان والجهاد قسمان : أحدهما ظاهر جليّ ، وهو عداوة الكفّار والمخالفين في الشريعة ، وحربهم وجهادهم ، والآخر باطن خفيّ ، وهو عداوة الشياطين المخالفين في الجبلة المتضادّين في الطبيعة ، وتبين أن حربهم وعداوتهم وخلافهم هي الحقيقة ، وعداوة الكفّار وحربهم هي العرضيّة . وذلك ان عداوة الكفّار هي من أجل أسباب دنيوية ، وعداوة الشياطين من أجل أسباب دينية ، وان غلبتهم وظفرهم يعرض منها شقاوة الدنيا ، ويفوت العزّ والسلطان والتمتّع باللذات الدّنيوية ونعيمها وطيب عيشها ، ثم تزول يوما ما . وأما عداوة الشياطين وغلبتهم وظفرهم فيعرض منها شقاوة الآخرة وعذابها ، ويفوت عزّها وسلطانها ونعيمها ولذاتها وسرورها وفرحها وروحها وريحانها ودوامها ،