إخوان الصفاء

361

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

المؤمن إذا فارقت الجسد صعد بها إلى سعة السماوات وفسحة الأفلاك فيكون سائحا هناك حيث شاء ذهب وجاء ؛ كما روي عن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح بالنهار في الجنّة على رؤوس أشجارها وأنهارها وثمارها ، وتأوي بالليل إلى قناديل معلّقة تحت العرش . فهذه حال أرواح المؤمنين الصالحين بعد الموت ، وأما حال أرواح الكافرين والفاسقين والفاجرين والمنافقين فلا يصعد بها إلى هناك بل تحجب دون السماء وتهيم في هاوية البرزخ إلى يوم يبعثون ؛ وإليهم أشار بقوله تعالى : « لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ » إلى قوله : « وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ » لأنه لا يليق بها ذلك المكان الشريف والمحلّ الأعلى ، كما لا يليق بالأوساخ من الناس والأقذار منهم مجالس الملوك والسادة والكرام . فإن أردت يا أخي أن تعرج بروحك إلى هناك بعد فراق الجسد ، فاجتهد قبل ذلك ، واغسلها من درن الأخلاق الرديئة ووسخ الآراء الفاسدة ، وأخرجها من ظلمات الجهالات المتراكمة ، وجنّبها الأعمال السيئة ، وألبسها لباس التقوى ، وزمّها عن الانهماك في الشهوات الجرمانيّة والغرور باللذّات الجسمانية . فأما الآراء الفاسدة فقد بيّنّاها في رسالة لنا ، وأما كيفيّة الخروج من الجهالات المتراكمة ، فقد بيّنّاها في إحدى وخمسين رسالة عملناها في فنون العلوم وغرائب الحكم وطرائف الآداب ، وأما تهذيب الأخلاق فقد وصفنا بعضها في هذه الرسالة وبعضها في رسالة عشرة إخوان الصفاء ، والأصدقاء الكرام ، فاقرأهما واعمل بما ذكرنا فيهما ، وعلّمهما إخوانك وأصدقاءك ، فإنك بذلك تفوز وتنال الزّلفى عند ربّك أبد الآبدين ودهر الداهرين مع النبيّين والصّديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا .