إخوان الصفاء

358

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وضدّ الزّهد هو الرغبة في الدّنيا والحرص في طلب شهواتها ، وهي خصلة تتبعها أخلاق رديّة وأفعال قبيحة وأعمال سيئة ، كما تقدّم ذكره ، وذلك أن من خصال الزّهّاد وشعارهم قلّة الأكل وترك الشهوات ، وفي قلّة الأكل وترك الشهوات خصال محمودة كثيرة ، ومناقب حسنة جميلة ، فمنها ما روي عن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : أجيعوا أنفسكم تفرح بكم سكان السماء . ومنها أن الإنسان يكون أصحّ جسما ، وأجود حفظا ، وأزكى فهما ، وأجلى قلبا ، وأقلّ نوما ، وأصدق رؤيا ، وأخفّ نفسا ، وأحدّ بصرا ، وألطف فكرا ، وأصغى سمعا ، وأصحّ حسّا ، وأثبت رأيا ، وأقبل للعلم ، وأسرع حركة ، وأسلم طبيعة ، وأقلّ مؤنة ، وأوسع مواساة ، وأكرم خلقا ، وأثبت صحبة ، وأحلى في القلوب . وقلّة الأكل ، إذا ساعدته القناعة ، كان مزرعة الفكر ، وينبوع الحكمة ، وحياة الفطنة ، ومصباح القلب ، وطبيب البدن ، وقاتل الشهوات ، وهادم الوسواس ، ومنزل الإلهام ، وعصمة من شرّ النفس ، وأمانا من شدة الحساب ؛ والشّكر له تابع ، وكفر النّعمة عنه زائل . فصل في آفات الشبع وكثرة الأكل وخصال الزهاد يروى عن عائشة ، رضي اللّه عنها ، أنها قالت : أول بلاء حدث في هذه الأمّة بعد ذهاب نبيها ، صلى اللّه عليه وسلم ، الشّبع وكثرته ؛ وذلك ان القوم إذا شبعت بطونهم ، سمنت أبدانهم ، وقست قلوبهم ، وجمحت نفوسهم ، واشتدت شهواتهم . ومن آفات الشّبع وكثرة الأكل عفونة القلب ، ومرض الأجساد ، وذهاب البهاء ، ونسيان الرّب ، وعمى القلوب ، وهزال الروح ، وسلاح الشياطين ، وحراجة الدين ، وذهاب اليقين ، ونسيان العلم ، ونقصان العقل ، وعداوة الحكمة ، وذهاب السخاء ، وزيادة البخل ، ومزرعة إبليس ،