إخوان الصفاء
349
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فمثل العالم الراغب في الدنيا ، الحريص على طلب شهواتها ، كمثل الطبيب المداوي غيره وهو مريض لا يرجى صلاحه ، فكيف يشفي المريض بعلاجه ؟ وقد قيل إن عالما زاهدا في الدنيا ، يكون عالما بدين اللّه ، وبصيرا بطريق الآخرة ، خير من ألف عالم راغب فيها . وقال المسيح ، عليه السلام : أيها العلماء والفقهاء قعدتم على طريق الآخرة ، فلا أنتم تسيرون إليها فتدخلون الجنة ، ولا تتركون أحدا يجوزكم فيصل إليها ، وان الجاهل أعذر من العالم ، وليس لواحد منهما عذر . واعلم يا أخي بأن كل علم وأدب لا يؤدي صاحبه إلى طلب الآخرة ، ولا يعينه على الوصول إليها ، فهو وبال على صاحبه وحجّة عليه يوم القيامة ، وذلك ان الملوك والجبابرة والفراعنة والقرون الماضية كانت لهم عقول رضيّة ، وآداب بارعة ، وسياسة وحكمة وصنائع عجيبة ، وهكذا من كان يعاشرهم وينادمهم ويقرب إليهم ، من وزرائهم وكتّابهم وعمّالهم وقوّادهم وعلمائهم وأدبائهم ، ولكن هلكوا من أجل انهم صرفوا تلك القوى والعقول والافهام وأكثر أفكارهم وتمييزهم ورويّتهم في طلب شهوات الدنيا والتمتع بلذّاتها ونعيمها ، بالرغبة الشديدة والحرص والتمني للخلود فيها ، وجعلوا أكثر كدّهم وسعيهم في صلاح أمور الدنيا ، حتى عمروها وأهملوا الآخرة وذكر المعاد ، ولم يستعدّوا له ، وذكروا الدنيا وغفلوا عن الآخرة ولم يتزوّدوا من الدنيا ، وتركوها لغيرهم ، ورحلوا عنها كارهين ، فصارت تلك النّعم وبالا عليهم ، إذ لم ينالوا بها الآخرة ، فخسروا الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين . وانما أكثر اللّه سبحانه في القرآن ذمّ هؤلاء وسوء الثناء عليهم ، لكيما يعتبر بهم المعتبرون ممن يجيء بعدهم ، ويتّعظون بحالهم ، ولا يغترّون بالدنيا كاغترارهم ، كما قال اللّه ، جلّ ذكره : « فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ » وقال : « أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ