إخوان الصفاء

331

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

هذا هو مشاهد ، ولكن الذي نحتاج أن نذكره علامات سعداء أبناء الآخرة وأخلاقهم وأعمالهم ، إذ كان هذا أمرا خفيّا لا يعلم إلّا بعد الوصف والشرح والدليل والعلامات . فصل في انقسام الناس في السعادة أربعة أقسام اعلم يا أخي أن الناس ينقسمون في سعادة الدنيا والآخرة وشقائهما أربعة أقسام : فمنهم سعداء في الدنيا والآخرة جميعا ، ومنهم أشقياء فيهما جميعا ، ومنهم أشقياء في الدنيا سعداء في الآخرة ، ومنهم سعداء في الدنيا أشقياء في الآخرة . فأما السعداء في الدنيا والآخرة جميعا فهم الذين وفر حظّهم في الدنيا من المال والمتاع والصحة ، ومكّنوا فيها ، فاقتصروا منها على البلغة ورضوا بالقليل ، وقنعوا به ، وقدّموا الفضل إلى الآخرة ذخيرة لأنفسهم ، كما ذكر اللّه تعالى بقوله : « وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ » وقال اللّه سبحانه : « وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً » وآيات كثيرة في القرآن في هذا المعنى . وأما سعداء أبناء الدنيا وأشقياء أبناء الآخرة فهم الذين وفر حظّهم من متاعها ومكّنوا منها وارتقوا فيها ، فتمتعوا وتلذّذوا وتفاخروا وتكاثروا ، ولم يتّعظوا بزواجر الناموس ، ولم ينقادوا له ، ولم يأتمروا لأمره ، وتعدّوا حدوده ، وتجاوزوا المقدار ، وطغوا وبغوا وأسرفوا ، واللّه لا يحب المسرفين ، وهم الذين أشار إليهم بقوله ، جلّ ثناؤه : « أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ، وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها » إلى آخر الآية . وقال : « مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ . » وآيات كثيرة في القرآن في وصف هؤلاء .