إخوان الصفاء
329
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
حين ، لأن كون الانسان في الدنيا عارض عرض في طريق الآخرة ، ولم يكن القصد والغرض المقام فيها ، كما أن الغرض في الكون في الرحم لم يكن الغرض والقصد طول المكث والمقام هناك ، ولكن طريقا وجوازا إلى الدنيا ، فكذلك كون النفس في هذا الجسد هو سفينة ومركوب ومعبر إلى الدار الآخرة ، وذلك أنه لم يكن الورود إلى الدنيا دون الكون هنالك زمانا لتتميم بنية الجسد ، وتكميل صورته كما بيّنّا في رسالة مسقط النّطفة ، فهكذا أيضا حكم المكث في الدنيا والكون فيها زمانا هو طريق وجواز إلى ما بعدها ، وذلك أنه لم يمكن الورود إلى الدار الآخرة دون الجواز على الدنيا والكون فيها زمانا ما لكيما تتمّ أحوال النفس وتكمل فضائلها ، كما بيّنّا في رسالة الانسان عالم صغير ، ورسالة حكمة الموت . ولهذا المعنى الذي ذكرناه ووصفناه قيل في الخطب على المنابر في الأعياد والجمعات : اعلموا أيها الناس انكم إنما خلقتم للأبد ، ولكن من دار إلى دار تنقلون ، ومن الأصلاب إلى الأرحام ، ومن الأرحام إلى الدنيا ، ومن الدنيا إلى البرزخ « 1 » ، ومن البرزخ إلى الجنة أو إلى النار ، كما ذكر اللّه ، عزّ وجلّ ، بقوله : « أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ؟ » وقوله : « تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ » وقوله « تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً » وآيات كثيرة في القرآن في التزهيد في الدنيا ، والترغيب في الآخرة ، مثل قوله تعالى : « وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ « 2 » لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » يعني أبناء الدنيا لرغبوا فيها أكثر وحرصوا في طلبها أشدّ ، ولكنهم عنها غافلون ساهون جاهلون ، لا يدرون ما هناك من النعيم واللذات والسرور والفرح والراحة ، كما ذكر
--> ( 1 ) البرزخ : الحاجز بين الدنيا والآخرة ، تدخله الأرواح بعد الموت ، وتبقى فيه إلى يوم القيامة . ( 2 ) الحيوان : الحياة .