إخوان الصفاء

32

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

من العالمين الروحاني والجسماني جميعا ، مهيأ مجبول من سوس ، هو في الحقيقة خلاصة هذا العالم وثمرته وزبدته ، وكدر ذلك العالم وثفالته « 1 » ، وأن يكون جوهر آخر المعاني الجسمانية ، وأول المعاني الروحانية ، فهو كالحد المتاخم لكل العالمين ، وكالأصل الصالح لمجموع الكمالين ، وكالجوهر الذي هو بإنيّته « 2 » معقول ، وكيفيته محسوس ، وكالشئ الذي بذاته حياة من وجه وذو حياة من وجه ، وكالذات القائم بنفسه من جهة ، والقائم بغيره من جهة ، وكالمعنى المشير بمضمون فحواه ، ويفطن ، بمفهومه ، لما سواه ؛ ومن وجه آخر كالفرخ المتفقّىء عنه البيضة الذي هو له كمال من وجه ومنتهى للكمال من وجه آخر ، فهو اللازم للوكر ما دام طائرا بالقوة ، فإذا استكمل طار فصار طائرا بالفعل ؛ وكالزاوية التي يوجد ذاتها متوسطة بين المتجزئ وغير المتجزئ ، ثم النقطة جامعة لحاليهما أعني البسيط والمركب ، وكالنبوة التي هي ممتدة إلى الروحانيين بخط ، وإلى الجسمانيين بخط ، ثم الوحي جامع بين طرفيهما ، والإلهام حاو لحدّيهما ؛ وكنهاية المحيط التي هي السطح لذي مكان وليس له مكان . والغرض من هذه الرسالة هو الإخبار عن حال الأنفس البسيطة قبل تشخيصها واتصالها بالأجسام الجزئية والأشخاص الحسية ، وعلة اتصالها مدة ، وحال مفارقتها عند بلوغ نهايتها ؛ وكيف يعرف الإنسان هويته وإنيّته وكيفية نفسه وحقيقة ذاته ، وأنه مجموع فيه معاني الموجودات كلها ، فهو كالكل ، ومحيط بالجميع ، فينتبه كذلك ، ويتأمل الصواب والفرصة مدة حياته ، فيقصده « 3 » ويقتنبه ويحتويه ، إذ لذلك أنشأه منشيه فيعبده ويبديه ويديمه ويبقيه ، وهو يبليه ويشفيه ويهديه لينجّيه فيفوز بالبقاء والنعيم المقيم ، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

--> ( 1 ) الثفالة : الخثارة ، وهي ما رسب تحت الشيء من كدورته كخثارة الزيت والمرق وما أشبه . ولم نجد الثفالة في المعاجم التي بين أيدينا ، وإنما وجدنا الثفل . فاستعمالها هنا على قياس الخثارة . ( 2 ) الإنية : تحقق الوجود العيني من حيث رتبته الذاتية . ( 3 ) يقصده : أي يقصد الصواب .