إخوان الصفاء
318
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
يبقى كلّ موجود أطول ما يمكن على أفضل حالاته وأتمّ غاياته . والسعادة الأخروية أن تبقى كل نفس إلى أبد الآبدين على أفضل حالاتها وأتمّ غاياتها . واعلم يا أخي بأن النفوس الجزئيّة انما ربطت بأجسادها التي هي أجسام جزئيّة كيما تكمل فضائلها ، وتخرج كلّ ما في القوّة والامكان إلى الفعل والظهور من الفضائل والخيرات . ولم يمكن ذلك إلّا بارتباطها بهذه الأجساد وتدبيراتها لها ، كما أن الباري ، جلّ ثناؤه ، لم يكن إظهار جوده وفيض إحسانه وأفضاله وإنعامه إلّا بايجاده هذا الهيكل العظيم المبنيّ بالحكمة ، المصنوع بالقدرة ، أعني الفلك المحيط وما يحويه من سائر الأفلاك والكواكب والأركان والموّلدات الكائنات ، وتدبيره لها وسياسته إياها . وإذ قد تبيّن بما ذكرنا ما الغرض وما الفائدة من الشهوات المركوزة في الجبلة ، وما يتبعها من الأخلاق والخصال ، وهي ان تدعو تلك الشهوات النفوس إلى طلب المنفعة لأجسادها ودفع المكروه والمضرّة عنها ، وتعينها تلك الأخلاق والخصال عليها ، فنريد أن نبيّن الآن ما الخير منها وما الشرّ وما المذموم منها وما المحمود ، ومتى يكون الإنسان مثابا بها أو معاقبا . فصل في ترتب الأخلاق على بعضها وكونها فضيلة أو رذيلة واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن الإنسان لما كان جسده مركبا من الأخلاط الأربعة ، وكان مزاجه من الطبائع الأربع ، جعل الباري ، جلّ ثناؤه ، بواجب الحكمة ، أكثر أموره وتصاريف أحواله مربّعات مشاكلات مطابقات بعضها لبعض ، ليكون أعون له على ما يراد منه وأدلّ : من ذلك أنك تجد أخلاقه وأفعاله بعضها طبيعية مركوزة في الجبلة ، كما ذكرنا طرفا من ذلك ، وبعضها نفسانيّة اختيارية ، وبعضها عقليّة فكرية ، وبعضها ناموسيّة سياسيّة .