إخوان الصفاء

309

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وتحقّق اعتقادك . فقال المجوسي : وكيف ذلك ؟ قال : لأني من أبناء جنسك ، وأنت تراني أمشي متعوبا جائعا ، وأنت راكب شبعان مترفّه . قال : صدقت ، وما ذا تريد ؟ قال : أطعمني واحملني ساعة لأستريح فقد أعييت . فنزل المجوسي عن بغلته ، وفتح له سفرته ، فأطعمه حتى أشبعه ، ثم أركبه ومشى معه ساعة يتحدثان . فلما تمكن اليهودي من الركوب ، وعلم أن المجوسيّ قد أعيا ، حرّك البغلة وسبقه ، وجعل المجوسيّ يمشي فلا يلحقه ، فناداه : يا خوشاك ، قف لي وانزل فقد أعييت . فقال له اليهودي : أليس قد أخبرتك عن مذهبي يا مغا ، وخبّرتني عن مذهبك ، ونصرته وحقّقته ، وأنا أريد أيضا ان أنصر مذهبي وأحقق اعتقادي ؛ وجعل يجري البغلة والمجوسيّ في أثره يعدو ، ويقول : ويحك ، يا خوشاك ، قف لي قليلا واحملني معك ، ولا تتركني في هذه البريّة تأكلني السّباع وأموت جوعا وعطشا ، وارحمني كما رحمتك . وجعل اليهودي لا يفكّر في ندائه ، ولا يلوي عليه ، حتى مضى وغاب عن بصره . فلما يئس المجوسيّ منه وأشرف على الهلاك ، تذكّر تمام اعتقاده ، وما وصف له بأن في السماء إلها خبيرا فاضلا عالما عادلا لا يخفى عليه من أمر خلقه خافية ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : يا إلهي ، قد علمت اني قد اعتقدت مذهبا ونصرته وحقّقته ووصفتك بما سمعت وعلمت وتحقّقت ، فحقّق عند اليهوديّ خوشاك ما وصفتك به ليعلم حقيقة ما قلت . فما مشى المجوسيّ إلّا قليلا حتى رأى اليهوديّ وقد رمت به البغلة فاندقّت عنقه ، وهي واقفة بالبعد منه تنتظر صاحبها . فلما لحق المجوسيّ بغلته ركبها ومضى لسبيله ، وترك اليهوديّ يقاسي الجهد ويعالج كرب الموت . فناداه اليهوديّ : يا مغا ، ارحمني واحملني ولا تتركني في هذه البريّة تأكلني السّباع وأموت جوعا وعطشا ، وحقق مذهبك ، وانصر اعتقادك . قال المجوسيّ : قد فعلت مرة ، ولكن بعد لم تفهم ما قلت لك ، ولم تعقل ما