إخوان الصفاء

298

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وكلّ المزاجات التسعة في غاية الاعتدال ، ليكون بها متهيئا وقابلا لجميع أخلاق الحيوانات ، وخواصّ طباعها ؛ كلّ ذلك كيما يسهل عليه ويتهيّأ له إظهار جميع الأفعال ، والصنائع العجيبة ، والأعمال المتقنة المختلفة ، والسياسات المحكمة ، إذ كان إظهارها كلّها بعضو واحد وأداة واحدة وخلق واحد ومزاج واحد يتعذّر على الإنسان ، كما بيّنّا في رسالة الصنائع البشريّة . والغرض من هذه كلّها هو أن يتمكّن للإنسان ويتهيّأ له التشبّه بإلهه وباريه الذي هو خليفته في أرضه ، وعامر عالمه ، ومالك ما فيه ، وسائس حيوانها « 1 » ، ومربّي نباتها ، ومستخرج معادنها ، ومتحكّم ومتسلط على ما فيها ، ليدبّرها تدبيرات سياسية ، ويسوسها سياسة ربوبيّة ، كما رسم له الوصايا الناموسية والرياضات الفلسفيّة ؛ كلّ ذلك كيما تصير نفسه بهذه العناية والسياسة والتدبير ملكا من الملائكة المقرّبين ، فينال بذلك الخلود في النعيم أبد الآبدين ودهر الداهرين ، كما ذكر في بعض كتب أنبياء بني إسرائيل ، قال اللّه تعالى : « يا بن آدم خلقتك للأبد ، وأنا حيّ لا أموت ؛ أطعني فيما أمرتك به ، وانته عما نهيتك عنه ، أجعلك حيّا لا تموت أبدا . يا بن آدم أنا قادر على أن أقول للشيء كن فيكون ؛ أطعني فيما أمرتك به ، وانته عما نهيتك عنه ، أجعلك قادرا على أن تقول للشيء كن فيكون . » وإذ قد تبيّن بما ذكرنا ما الغرض وما المراد من وجود الأخلاق المختلفة في جبلّة الانسان وطبيعته ، فنريد ان نذكر العلل والأسباب التي بها ومن أجلها تختلف اخلاق البشر وسجاياهم : كم هي ، وما هي ، وكيف هي ، إذ قد تبيّن ، فيما تقدّم ، لم هي .

--> ( 1 ) حيوانها : الضمير يعود على أرضه .