إخوان الصفاء

259

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل في مثنوية الانسان اعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن الإنسان لما كان هو جملة مجموعة من جسد جسمانيّ ونفس روحانية ، وهما جوهران متباينان في الصّفات ، متضادّان في الأحوال ، ومشتركان في الأفعال العارضة والصّفات الزّائلة ، صار الإنسان من أجل جسده الجسمانيّ مريدا للبقاء في الدّنيا ، متمنّيا للخلود فيها ، ومن أجل نفسه الروحانية صار طالبا للدار الآخرة ، متمنّيا للبلوغ إليها ، وهكذا أكثر أمور الإنسان وتصرّف أحواله مثنويّة ، متضادّة كالحياة والممات والنّوم واليقظة والعلم والجهالة والتذكّر والغفلة والعقل والحماقة والمرض والصّحة والفجور والعفّة والبخل والسخاء والجبن والشجاعة والألم واللّذّة ، وهو متردد بين الصداقة والعداوة والفقر والغنى والشبيبة والهرم والخوف والرجاء والصّدق والكذب والحق والباطل والصواب والخطأ والخير والشر والقبح والحسن وما شاكلها من الأخلاق والأفعال والأقاويل المتضادة المتباينة التي تظهر من الإنسان الذي هو جملة مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية . واعلم يا أخي بأن هذه الخصال التي عدّدنا لا تنسب إلى الجسد بمجرّده ولا إلى النفس بمجرّدها ، ولكن إلى الانسان الذي هو جملتها والمجموع منهما الذي هو حيّ ناطق مائت ، فحياته ونطقه من قبل نفسه وموته من قبل جسده ، وهكذا نومه من قبل جسده ويقظته من قبل نفسه . وعلى هذا القياس سائر أموره وأحواله المتباينات المتضادّات ، بعضها من قبل النفس ، وبعضها من قبل الجسد ، مثال ذلك عقله وعلمه وحلمه وتفكّره وسخاؤه وشجاعته وعفته وعدله وحكمته وصدقه وصوابه وخيره وما شاكلها من الخصال المحمودة ، فكلها من قبل نفسه وصفاء جوهرها ، وأضدادها من قبل أخلاط جسده ومزاج أخلاطه .