إخوان الصفاء

226

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

الثالث بالحكمة ، لما صفت ورأت ذلك ، وهو إدريس النّبيّ ، عليه السلام ، وإليه أشار بقوله تعالى : « وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا » ؛ وكما سمعته نفس فيثاغورس الحكيم لما صفت من درن الشّهوات الجسمانية ، ولطفت بالأفكار الدائمة ، وبالرّياضات العدديّة والهندسيّة والموسيقيّة . فاجتهد يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، في تصفية نفسك وتخليصها من بحر الهيولى ، وأسر الطبيعة ، وعبوديّة الشّهوات الجسمانية ، وافعل كما فعلت الحكماء ووضعت في كتبها ، فإن جوهر نفسك من جوهر نفوسهم . واعمل كما وصفنا في كتاب الأنبياء ، عليهم السلام ، وصفّ نفسك من الأخلاق الرديئة والآراء الفاسدة والجهالات المتراكمة والأفعال السّيّئة ، فإن هذه الخصال هي المانعة لها عن الصّعود إلى هناك بعد الموت ، كما ذكر اللّه تعالى بقوله : « لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ، وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ « 1 » » . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن جوهر نفسك من الأفلاك نزل يوم مسقط النّطفة كما بيّنّا في رسالة لنا ، وإلى السماء يكون مصيرها بعد الموت الذي هو مفارقة الجسد ، كما أن من التراب يكون جسدك ، وإلى التراب يكون جسدك بعد الموت . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن هذه الحياة الدّنيا للنفوس المتجسدة إلى وقت المفارقة التي هي الموت مماثلة لمدة كون الجنين في الرحم من يوم مسقط النّطفة إلى يوم الولادة . واعلم ، يا أخي ، ان الموت ليس شيئا سوى مفارقة النفس الجسد ، كما أن الولادة ليست شيئا سوى مفارقة الجنين الرحم . وقال المسيح ، عليه السلام : من لم يولد ولادتين لم يصعد إلى ملكوت السماء . وقال ، جلّ ثناؤه ، في صفة أهل الجنّة : « لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى » وهو مفارقة النّفس

--> ( 1 ) الجمل : حبل السفينة . سم الخياط : ثقب الإبرة .