إخوان الصفاء

214

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فقد تبيّن بما ذكرنا طرف من حكمة الحكماء الموسيقيين المستعملين لها في المارستانات في الأوقات المضادّة لطبيعة الأمراض والأعراض والأعلال . وهم اقتصروا على أربعة أوتار لا أكثر ولا أقلّ . فأما العلّة التي من أجلها جعلوا غلظ كلّ وتر مثل غلظ الذي تحته ومثل ثلثه ، فذلك منهم أيضا اقتداء بحكمة الباري ، جلّ ثناؤه ، واتّباع لآثار صنعه في المصنوعات الطبيعية ، وذلك أن الحكماء الطبيعيين ذكروا أن أقطار أكر الأركان الأربعة التي هي النّار والهواء والماء والأرض ، كلّ واحد منها مثل الذي تحته ومثل ثلثه في الكيفيّة ، أعني في اللطافة والغلظ ، فقالوا ان قطر كرة الأثير ، أعني كرة النّار التي دون فلك القمر ، مثل قطر كرة الزّمهرير ومثل ثلثها ؛ وقطر كرة الزّمهرير مثل قطر كرة النسيم ومثل ثلثها ؛ وقطر كرة النّسيم مثل قطر كرة الماء ومثل ثلثها ؛ وقطر كرة الماء مثل قطر كرة الأرض ومثل ثلثها . ومعنى هذه النّسبة أن جوهر النّار في اللطافة مثل جوهر الهواء ومثل ثلثه ؛ وجوهر الهواء في اللطافة مثل جوهر الماء ومثل ثلثه ؛ وجوهر الماء في اللطافة مثل جوهر الأرض ومثل ثلثها . وأما علّة شدّهم الزّير الذي هو مماثل لركن النّار ونغمته مماثلة لحرارة النّار وحدّتها ، تحت الأوتار كلّها ؛ وشدّهم البمّ المماثل لركن الأرض فوقها كلّها ، والمثنى مما يلي الزّير ، والمثلث مما يلي البمّ ، فهي أيضا لعلّتين اثنتين ، إحداهما أن نغمة الزّير حادة خفيفة تتحرّك علوا ، ونغمة البمّ غليظة ثقيلة تتحرّك إلى أسفل ، فيكون ذلك أمكن لمزاجهما واتحادهما . وكذلك حال المثنى والمثلث . والعلّة الأخرى أن نسبة غلظ الزّير إلى غلظ المثنى ، والمثنى إلى المثلث ، والمثلث إلى البمّ كنسبة قطر الأرض إلى قطر كرة النّسيم ، وكرة النّسيم إلى كرة الزّمهرير ، والزّمهرير إلى الأثير ؛ فهذا كان سبب شدّهم لها على هذا