إخوان الصفاء
212
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فليس إلّا الصّرام « 1 » والحصاد والرّمي بقشورها ، وتحصيل لبّها ، ويستأنف بها حكم آخر . وهذا حكم النفوس بعد مفارقة الأجسام يراد بها أمر آخر ، كما ذكر اللّه تعالى : « أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ، أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ ، أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ، نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ، وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ » . هكذا أيضا حكم نفوس الحيوانات بعد الذّبح يستأنف بها أمر آخر ، فلا تقدّر يا أخي بأن غرض واضعي النواميس في تحليل ذبح البهائم في الهياكل عند القرابين إنما هو لأكل لحومها حسب ، بل غرضهم تخليص نفوسها من دركات جهنّم عالم الكون والفساد ، ونقلها من حال النّقص إلى حال التّمام والكمال في الصّورة الإنسانيّة التي هي أتمّ وأكمل صورة تحت فلك القمر ؛ وهذه الصّورة هي آخر باب في جهنّم عالم الكون والفساد ، كما بيّنّا في رسالة حكمة الموت . فانظر الآن يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، وتفكّر واعلم بأن جسمك صدف ونفسك درّة ثمينة ، لا تغفل عنها فإن لها قيمة عظيمة عند بارئها وخالقها ، وقد بلغت آخر باب في جهنّم ، فإن بادرت وتزوّدت وسعيت وخرجت من هذا الباب الذي ظاهره من قبله العذاب ، ودخلت من الباب الذي باطنه فيه الرّحمة ، ساجدا في صورة الملائكة ، فقد أفلحت وفزت ونجوت . واعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن صورة الملائكة هي التي توفّي نفسك عند مفارقة الجسد ، كما ذكر اللّه تعالى بقوله : « قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » . واعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن ملك الموت هو قابلة الأرواح ودابة النفوس ، كما أن الداية للأجسام هي قابلة الأطفال .
--> ( 1 ) الصرام ، بفتح الصاد وكسرها : قطع الثمرة واجتناؤها وقت إدراكها .