إخوان الصفاء

210

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ولتخليصها من غرق بحر الهيولى ، ونجاتها من أسر الطبيعة ، فهي ما هذه معانيها : « يا أيتها النفوس الغائصة في بحر الأجسام المدلهمّة ، ويا أيتها الأرواح الغريقة في ظلمات الأجرام ذوات الثلاثة الأبعاد ، الساهية عن ذكر المعاد ، المنحرفة عن سبيل الرشاد ، اذكروا عهد الميثاق إذ قال لكم الحقّ : « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قلتم بَلى شَهِدْنا ، أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ » . أو تقولوا : انما أشرك آباؤنا الجسمانيون من قبل ، وكنا ذرّية من بعدهم جرمانيّين في دار الغرور . وضنك القبور . اذكروا عالمكم الروحاني وداركم الحيوانيّة ومحلّكم النوراني ، وتشوّقوا إلى آبائكم وأمّهاتكم وإخوانكم الروحانيّين ، الذين هم في أعلى علّيّين ، الذين هم من أوساخ الأجرام مبرّءون ، وعن ملابسة الأجسام الطبيعية منزّهون . بادروا وارحلوا من دار الفناء إلى دار البقاء قبل ان يبادر بكم إلى هناك مكرهين مجبورين ، غير مستعدين ، نادمين خاسرين » . ففي مثل هذه الأوصاف وما شاكل هذه المعاني ، كانت الحكماء تلحّن مع نغمات الموسيقى في الهياكل وبيوت العبادات . فقد تبيّن إذا بما ذكرنا طرف من غرض الحكماء في استعمالهم الموسيقى واستخراجاتهم أصول ألحانه وتركيب نغماته . وأما علّة تحريم الموسيقى في بعض شرائع الأنبياء ، عليهم السلام ، فهو من أجل استعمال الناس لها على غير السبيل التي استعملها الحكماء ، بل على سبيل اللهو واللعب ، والترغيب في شهوات لذّات الدّنيا ، والغرور بأمانيها . والأبيات التي تنشد مشاكلة لها مثل قول القائل : خذوا بنصيب من نعيم ولذّة ، * فكلّ ، وان طال المدى ، يتصرّم وقول القائل : ما جاءنا أحد يخبّر انه * في جنّة مذمات ، أو في نار واعلم بأن مثل هذه الأبيات إذا سمعها أكثر الناس ظنّوا وتوهّموا انه