إخوان الصفاء

206

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

هنداما ، وأصفى جوهرا ، وحركاتها أحسن نظاما ، ومناسباتها أجود تأليفا . فإذا علمت النفس الجزئيّة التي في عالم الكون والفساد أحوال عالم الأفلاك ، وتيقّنت حقيقة ما وصفنا ، تشوّقت عند ذلك إلى الصعود إلى هناك ، واللحوق بأبناء جنسها من النفوس الناجية في الأزمان الماضية ، من الأمم الخالية . فإن قال قائل إن الفلك طبيعة خامسة لا يجوز ان يكون لأجسامه نغمات وأصوات ، فليعلم هذا القائل ان الفلك وإن كانت طبيعته خامسة ، فليس بمخالف لهذه الأجسام في كل الصفات ، وذلك ان منها ما هو مضيء مثل النار ، وهي الكواكب ، ومنها ما هو مشفّ كالبلّور ، وهي الأفلاك ، ومنها ما هو صقيل كوجه المرآة ، وهو جرم القمر ؛ ومنها ما هو يقبل النور والظلمة مثل الهواء ، وهو فلك القمر وفلك عطارد . وبيان ذلك ان ظلّ الأرض يبلغ مخروطه إلى فلك عطارد ؛ وهذه كلها أوصاف للأجسام الطبيعية ، والأجسام الفلكية تشاركها فيها . فقد تبيّن ان الفلك ، وان كانت طبيعته خامسة ، فليس بمخالف للأجسام الطبيعية في كل الصفات ، بل في بعضها دون بعض ، وذلك انها ليست بحارّة ولا باردة ولا رطبة بل يابسة صلبة أشدّ صلابة من الياقوت ، وأصفى من الهواء ، وأشفّ من البلّور ، وأصقل من وجه المرآة ، وانها يماسّ بعضها بعضا ، وتصطكّ وتحتكّ ، وتطنّ كما يطنّ الحديد والنحاس ، وتكون نغماتها متناسبات مؤتلفات ، وألحانها موزونات ، كما بيّنّا مثالها في نغمات أوتار العيدان ومناسباتها . فصل في أن لحركات الأفلاك نغمات كنغمات العيدان اعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، انه لو لم يكن لحركات أشخاص الأفلاك أصوات ولا نغمات ، لم يكن لأهلها فائدة من القوّة السامعة الموجودة فيهم . فإن لم يكن لهم سمع فهم صمّ بكم عمي . وهذه حال الجمادات