إخوان الصفاء
186
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل في أن أصل صناعة الموسيقى للحكماء اعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن الصنائع كلها استخرجتها الحكماء بحكمتها ، ثم تعلّمها الناس منهم ، وبعضهم من بعض ، وصارت وراثة من الحكماء للعامّة ، ومن العلماء للمتعلمين ، ومن الأساتذة للتلامذة . فصناعة الموسيقى استخرجتها الحكماء بحكمتها ، وتعلمها الناس منهم ، واستعملوها كسائر الصنائع في أعمالهم ومتصرّفاتهم بحسب أغراضهم المختلفة . فأما استعمال أصحاب النواميس الإلهية لها في الهياكل وبيوت العبادات ، وعند القراءة في الصّلوات ، وعند القرابين والدّعاء والتّضرّع والبكاء ، كما كان يفعل داود النّبي ، عليه السلام ، عند قراءة مزاميره ، وكما يفعل النّصارى في كنائسهم ، والمسلمون في مساجدهم من طيّب النّغمة ولحن القراءة ، فإن كلّ ذلك لرقّة القلوب ، ولخضوع النفوس ولخشوعها ، والانقياد لأوامر اللّه تعالى ونواهيه ، والتّوبة إليه من الذّنوب ، والرّجوع إلى اللّه ، سبحانه وتعالى ، باستعمال سنن النّواميس كما رسمت . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، ان أحد الأسباب التي دعت الحكماء إلى وضع النّواميس ، واستعمال سننها ، هو ما قد لاح لهم من موجبات أحكام النّجوم من السّعادات والمناحس ، عند ابتداء القرانات وتحاويل السّنين من الغلاء أو الرّخص ، أو الجدب أو الخصب ، أو القحط أو الطاعون والوباء ، أو تسلّط الأشرار والظالمين ، وما شاكلها من تغيّرات الزّمان وحوادث الأيام . فلما تبيّن لهم ذلك طلبوا حيلة تنجيهم منها إن كانت شرّا ، وتوفّر حظّهم فيها إن كانت خيرا ، فلم يجدوا حيلة أنجى ولا شيئا أنفع من استعمال سنن النّواميس الالهيّة التي هي الصّوم والصّلاة والقرابين والدّعاء عند ذلك بالتضرّع إلى اللّه تعالى ، جلّ ثناؤه ، بالخضوع والخشوع والبكاء والسّؤال إيّاه أن يصرف عنهم ذلك ، ويكشف ما قد