إخوان الصفاء
181
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
مضيء ، ونصفه ليل مظلم ، وأيضا نصفه صيف حارّ ، ونصفه شتاء بارد ، وهما يتداولان في مجيئهما وذهابهما ، كلما ذهب هذا ، رجع هذا ، وتارة يزيد هذا ، وينقص هذا ، وكلما نقص من أحدهما ، زاد في الآخر بذلك المقدار ، حتى إذا تناهيا إلى غايتهما في الزيادة والنّقصان ، ابتدأ النقص في الذي تناهى في الزيادة ، وابتدأت الزيادة في الذي تناهى في النقصان ، فلا يزالان هكذا إلى أن يتساويا في مقداريهما ، ثم يتجاوزان على حالتيهما إلى أن يتناهيا في غايتيهما من الزيادة والنقصان ، وكلما تناهى أحدهما في الزيادة ظهرت قوّته وكثرت أفعاله في العالم ، وخفيت قوة ضدّه وقلّت أفعاله . فهكذا حكم الزمان في دولة أهل الخير ودولة أهل الشر : تارة تكون الدولة والقوة وظهور الافعال في العالم لأهل الخير ؛ وتارة تكون الدولة والقوّة وظهور الافعال في العالم لأهل الشر ، كما ذكر اللّه ، عزّ وجلّ ، وقال : « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » ، « وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ » . فصل وقد نرى أيها الأخ البارّ الرحيم ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، انه قد تناهت دولة أهل الشر وظهرت قوتهم وكثرت أفعالهم في العالم في هذا الزمان ، وليس بعد التناهي في الزيادة الا الانحطاط والنّقصان . واعلم بأن الدولة والملك ينتقلان في كل دهر وزمان ودور وقران من أمة إلى أمة ، ومن أهل بيت إلى أهل بيت ، ومن بلد إلى بلد . واعلم يا أخي أن دولة أهل الخير يبدأ أولها من قوم علماء حكماء وخيار فضلاء يجتمعون على رأي واحد ، ويتفقون على مذهب واحد ودين واحد ، ويعقدون بينهم عهدا وميثاقا ان لا يتجادلوا ولا يتقاعدوا عن نصرة بعضهم بعضا ، ويكونون كرجل واحد في جميع أمورهم ، وكنفس واحدة في