إخوان الصفاء

168

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

حكمته وغرائب صنعته ، ولا انتفعوا بشيء منها أكثر من تمتّعهم تلك الليلة بالأكل والشّرب حسب . فهكذا حكم أبناء الدّنيا الواردين إليها جاهلين ، الماكثين فيها متحيّرين مكرهين ، المنكرين أمر الدّار الآخرة ، الرّاحلين عنها كما قال اللّه ، جلّ ثناؤه : « وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى ، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا » وقال ذمّا لهم : « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ » بأمر الآخرة ، فأعيذك أيها الأخ البارّ الرّحيم أن تكون منهم ، بل كن من الذين مدحهم عزّ وجلّ فقال ، جلّ ثناؤه : « تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » وحكى قولهم لما تمنّوا عرض الدّنيا حين قالوا : « يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » وقال الذين أوتوا العلم بحقيقة أمر الآخرة « وَيْلَكُمْ ، ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ، وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ » « وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ، وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » وفّقك اللّه أيها الأخ البار الرحيم للسّداد ، وهداك للرّشاد وجميع اخواننا حيث كانوا في البلاد . وإذ قد فرغنا من ذكر الأرض ووصفنا الرّبع المسكون ، نريد أن نذكر الأقاليم السّبعة ونبيّن حدودها طولا وعرضا ، وما في كل إقليم من المدن الكبار والجبال والأنهار الطّوال . فاعلم أيها الأخ البارّ الرحيم ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن حدود الأقاليم معتبرة بساعات النهار وتفاوت الزيادة فيها ، وبيان ذلك أنه إذا كانت الشمس في أول برج الحمل كان طول الليل والنهار وساعاتهما تتساوى في هذه الأقاليم كلها فإذا سارت الشمس في درجات برج الحمل والثّور والجوزاء اختلفت ساعات نهار كلّ إقليم ، حتى إذا بلغت آخر الجوزاء الذي هو أول السرطان ، صار طول النهار في وسط الإقليم الأول ثلاث عشرة ساعة ، وفي وسط الإقليم الثاني ثلاث عشرة ساعة ونصفا ، وفي وسط الإقليم الثالث أربع