إخوان الصفاء

166

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل واعلم أيها الأخ البارّ الرحيم ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، ان هذه الأقاليم السبعة ليست هي أقساما طبيعية ، وكأنها خطوط وهمية وضعتها الملوك الأولون الذين طافوا الرّبع المسكون من الأرض لتعلم حدود البلدان والممالك والمسالك ، مثل أفريذون النّبطيّ وتبّع الحميريّ وسليمان بن داود الإسرائيلي ، عليهما السلام ، والإسكندر اليونانيّ وأزدشير بن بابك الفارسي ، ليعلموا بها حدود البلدان والمسالك والممالك . وأما ثلاثة أرباعها الباقية فمنعهم من سلوكها الجبال الشامخة والمسالك الوعرة ، والبحار الزاخرة والأهوية المتغيّرة المفرطة التغيّر من الحرّ والبرد والظلمة ؛ مثل ما في ناحية الشمال تحت مدار الجدي ، فان هناك بردا مفرطا جدّا ، لأنه ستة أشهر يكون الشتاء هناك ليلا كله ، فيظلم الهواء ظلمة شديدة ، وتجمد المياه بشدة البرودة ، ويتلف الحيوان والنّبات ؛ وفي مقابل هذا الموضع في ناحية الجنوب حيث مدار سهيل يكون نهارا كلّه ، ستة أشهر صيفا ، فيحمى الهواء ويصير نارا سموما ويحترق الحيوان والنّبات من شدة الحر ، فلا يمكن السّكنى ولا السّلوك هناك . وأما ناحية المغرب فيمنع السّلوك فيها البحر المحيط لتلاطم أمواجه وشدّة ظلماته ؛ وأما ناحية المشرق فيمنع السّلوك هناك الجبال الشامخة . فإذا تأمّلت وجدت النّاس محصورين في الرّبع المسكون من الأرض ، وليس لهم علم بالثلاثة أرباع الباقية . واعلم أن الأرض بجميع ما عليها من الجبال والبحار بالنسبة إلى سعة الأفلاك ما هي الا كالنّقطة في الدّائرة ، وذلك أن في الفلك ألفا وتسعة وعشرين كوكبا ، أصغر كوكب منها مثل الأرض ثماني عشرة مرة ، وأكبرها مائة وسبع مرات ، فلشدّة البعد وسعة الأفلاك تراها كأنها الدّرّ المنثور على بساط أخضر . فإذا فكّر الإنسان في هذه العظمة تبيّن