إخوان الصفاء
156
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
قول اللّه تعالى : « لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » . واعلم يا أخي أن في معرفة علم النجوم فوائد كثيرة ، فمنها ان الإنسان إذا علم ما يكون من حادث في المستقبل أو كائن بعد الأيام أمكنه أن يدفع عن نفسه بعضها ، لا بأن يمنع ويدفع كونها ، ولكن يتحرّز منها أو يستعدّ لها كما يفعل سائر الناس ويستعدون لدفع برد الشتاء بجمع الدثار « 1 » ؛ ولحرّ الصّيف بأخذ الكنّ ، ولسني الغلاء بالادخار ، ولمواضع الفتن بالهرب منها والبعد عنها ، وترك الأسفار عند المخاوف وما شاكل ذلك ، مع علمهم بأنهم لا يصيبهم منها إلا ما كتب اللّه لهم وعليهم . وخصلة أخرى أيضا وهي انه متى علم الناس الحوادث قبل كونها أمكنهم أن يدفعوها قبل نزولها بالدعاء والتضرّع إلى اللّه تعالى ، والتوبة والإنابة إليه ، وبالصوم والصلاة والقربان ، والسؤال إياه أن يصرف ما يخافون نزوله ، ويرفع ويدفع عنهم ما يحذرون منه . واعلم يا أخي أنك ان نظرت في أسرار النواميس ، وتأملت سنن الشرائع وأحكام الديانات ، علمت وتبين لك أن أجلّ أغراض واضعي النواميس كان هذا الذي ذكرت لك ، وذلك ان موسى ، عليه السلام ، أوصى بني إسرائيل ، فقال لهم : احفظوا شرائع التوراة التي أنزل اللّه علي ، واعملوا بوصاياها ، فإن اللّه تعالى يسمع دعاءكم ، ويرخص أسعاركم ، ويخصب بلادكم ، ويكثر أموالكم وأولادكم ، ويكفّ عنكم شر أعدائكم . ومتى خفتم حوادث الأيام ومصائب الزّمان ، فتوبوا إلى اللّه جميعا توبة نصوحا ، واستغفروه ، وصلّوا له وصوموا ، وتصدّقوا في السّر والعلانية ، وادعوه خوفا وتضرعا حتى يصرف عنكم شرّ ما تخافون ، ويدفع عنكم ما تحذرون ، ويكشف عنكم ما ينزل بكم من محن الدّنيا ومصائبها وحوادث أيامها . وعلى هذا المثال كانت
--> ( 1 ) الدثار : ما فوق الشعار من الثياب .