إخوان الصفاء
138
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
حواسّه وتسكين وساوسه ، وصعد إلى الفلك ، جوزي هناك بأحسن الجزاء . ويقال إن بطليموس كان يعشق علم النّجوم ، وجعل علم الهندسة سلّما صعد به إلى الفلك ، فسمح الأفلاك وأبعادها والكواكب وأعظامها ، ثم دوّنه في المجسطي ، وإنما كان ذلك الصّعود بالنّفس لا بالجسد ، وهكذا . ويحكى عن هرمس المثلّث بالحكمة ، وهو إدريس النبيّ ، عليه السلام ، انه صعد إلى فلك زحل ودار معه ثلاثين سنة ، حتى شاهد جميع أحوال الفلك ، ثم نزل إلى الأرض فخبّر الناس بعلم النجوم ، قال اللّه تعالى : « وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا » . وقال أرسطاطاليس في كتاب الثالوجيا شبه الرّمز : اني ربما خلوت بنفسي وخلعت بدني ، وصرت كأني جوهر مجرّد بلا بدن ، فأكون داخلا في ذاتي ، خارجا عن جميع الأشياء ، فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء ما أبقى له متعجّبا باهتا ، فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الأعلى الفاضل الشريف . . . وقال فيثاغورس في الوصية الذهبيّة : إذا فعلت ما قلت لك يا ديوجانس ، وفارقت هذا البدن حتى تصير نحلا في الجوّ ، فتكون حينئذ سائحا غير عائد إلى الإنسانية ولا قابل للموت . وقال المسيح ، عليه السلام ، للحواريّين في وصيّة له : إذا فارقت هذا الهيكل فأنا واقف في الهواء عن يمنة عرش ربي ، وأنا معكم حيثما ذهبتم ، فلا تخالفوني حتى تكونوا معي في ملكوت السماء غدا . وقال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، لأصحابه في خطبة له طويلة : أنا واقف لكم على الصّراط وإنكم ستردون على الحوض غدا فأقربكم مني منزلا يوم القيامة من خرج من الدنيا على هيئة ما تركته . ألا لا تغيّروا بعدي ، ألا لا تبدّلوا بعدي . فهذه الحكايات والأخبار كلّها دليل على بقاء النفس بعد مفارقة الجسد ، وإن الإنسان العاقل إذا استبصرت نفسه في هذه