نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

85

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : ليس شيء من الشر أضرّ من الحسد لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه . أوّلها : غمّ لا ينقطع . والثاني مصيبة لا يؤجر عليها . والثالث مذمة لا يحمد بها . والرابع يسخط عليه الرب . والخامس تغلق عليه أبواب التوفيق . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ألا إن لنعم اللّه أعداء قيل من أعداء نعم اللّه يا رسول اللّه ؟ قال الذين يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه تعالى من فضله » . وروي عن مالك بن دينار أنه قال : إني أجيز شهادة القراء على جميع الخلق ولا أجيز شهادة القراء بعضهم على بعض لأني وجدتهم حسادا يعني أن أكثر الحسد في القرّاء . وروى أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ستة بستة يدخلون النار يوم القيامة قبل الحساب » يعني ستة أصناف بسبب ستة أشياء يدخلون النار قبل الحساب « قيل يا رسول اللّه من هم ؟ قال الأمراء من بعدي بالجور ، والعرب بالعصبية ، والدهاقين بالكبر ، والتجار بالخيانة ، وأهل الرستاق بالجهالة ، وأهل العلم بالحسد » يعني العلماء الذين يطلبون الدنيا بحسد بعضهم بعضا فينبغي للعالم أن يتعلم العلم ليطلب به الآخرة فإذا كان العالم يطلب بعلمه الآخرة فإنه لا يحسد أحدا ولا يحسده أحد وإذا تعلم لطلب الدنيا فإنه يحسد كما قال اللّه تعالى عن علماء اليهود أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني إن اليهود كانوا يحسدون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه فكانوا يقولون لو كان هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لشغله ذلك عن كثرة النساء ، قال اللّه سبحانه وتعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني النبوّة وكثرة النساء . وقال بعض الحكماء : إياكم والحسد فإن الحسد أوّل ذنب عصي اللّه تعالى به في السماء وأوّل ذنب عصي اللّه تعالى به في الأرض ، وإنما أراد بقوله أوّل ذنب عصي اللّه تعالى به في السماء يعني إبليس حين أبى أن يسجد لآدم وقال خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * فحسده فلعنه اللّه تعالى بذلك ، وأما الذي عصي اللّه تعالى به في الأرض فهو قابيل بن آدم حين قتل أخاه هابيل حسدا ، وهو قوله تعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . وروي عن الأحنف بن قيس أنه قال : لا راحة لحسود ، ولا وفاء لبخيل ولا صديق ملول ، ولا مروءة لكذوب ، ولا رأي لخائن ولا سؤدد لسيىء الخلق . وقال بعض الحكماء : ما رأيت ظالما أشبه بالمظلوم من الحاسد . وقال محمد بن سيرين : ما حسدت أحدا على شيء من الدنيا فإن كان من أهل الجنة فكيف أحسده وهو صائر إلى الجنة وإن كان من أهل النار فكيف أحسده وهو صائر إلى النار . وقال الحسن البصري : يا بن آدم لم تحسد أخاك ؟ فإن الذي أعطاه اللّه لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه اللّه تعالى ؟ وإن يكن غير ذلك فلا ينبغي لك أن تحسد من مصيره إلى النار . ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : ثلاثة لا تستجاب دعوتهم : آكل الحرام ومكثار الغيبة ومن كان في قلبه غلّ أو حسد للمسلمين . وروى ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه اللّه تعالى القرآن وهو يقوم به آناء الليل والنهار ، ورجل آتاه اللّه تعالى مالا وهو