نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
412
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
عباس : يا ابن عباس ما رأس العقل ؟ قال أن يعفو الرجل عمن ظلمه ، وأن يتواضع لمن دونه ، وأن يتدبر ثم يتكلم . قال وما رأس الجهل ؟ قال عجب المرء بنفسه ، وكثرة الكلام فيما لا يعنيه ، وأن يعيب الناس في الشيء الذي يأتيه : أي يفعله . قال فما زين الرجال ؟ قال حلم من غير ضعف ، وجود بغير ثواب ، واجتهاد في العبادة بغير طلب من الدنيا . وقيل لبعض الحكماء : من العاقل قال : من تمسك بثلاثة أشياء فهو العاقل حقا : من تمسك بالصدق والإخلاص فيما بينه وبين اللّه تعالى من الطاعات ، ومن تمسك بالبرّ والمروءة فيما بينه وبين الخلق في المعاملات ، ومن تمسك بالصبر والقناعة فيما بينه وبين الخلق في النوائب والبليات . وقال بعض الحكماء الناس أربعة أصناف : جواد ، وبخيل ، ومسرف ، ومقتصد . فالجواد الذي يجعل نصيب دنياه لآخرته ، والبخيل الذي لا يعطي واحدا منهما نصيبه ، والمسرف الذي يجعل نصيب آخرته لدنياه ، والمقتصد الذي يعطي كل واحد منهما نصيبه . وقال عيسى عليه السّلام : يا معشر الحواريين ارضوا بالدّون من الدنيا مع الدين كما رضي أهل الدنيا بالدون من الدين مع الدنيا . الباب الرابع والأربعون بعد المائة : في البول في حال القيام ( قال الفقيه ) رحمه اللّه : رخص بعض الناس أن يبول الرجل قائما وكرهه بعضهم إلا من عذر وبه نقول . فأما من أباحه فقد ذهب إلى ما روى حذيفة « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أتى سباطة قوم فبال قائما ثم توضأ ومسح على خفيه » وأما من كرهه فقد ذهب إلى ما روي عن عائشة أنها قالت : ما بال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائما منذ نزل عليه القرآن فمن أخبرك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بال قائما فكذبه . وروى نافع عن ابن عمر قال : قال عمر رضي اللّه تعالى عنه : ما بلت قائما منذ أسلمت . وروى ابن أبي بريدة عن أبيه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « أربعة من الجفاء : أن يبول الرجل وهو قائم ، وأن يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته ، وأن يسمع النداء ولا يشهد مثل ما شهد ، وأن أذكر عنده فلم يصلّ عليّ » وأما الخبر الذي رواه حذيفة فاحتمل أنه فعله لعذر نجاسة المكان أو غير ذلك ، فإذا احتمل ذلك فالأخذ بالأخبار المشهورة أولى . ويقال البول في حال القيام يكره ويحرم لأنه تشبه بالمشركين ، وحرام على المسلمين التشبه بالمشركين لما روي « من تشبه بقوم فهو منهم » . الباب الخامس والأربعون بعد المائة : في خصاء الحيوان ( قال الفقيه ) رحمه اللّه : كره بعض الناس خصاء الحيوانات كلها واحتج بما روي عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال « لا خصاء في الإسلام ، ولا كنيسة سوى ما كان في القديم » وذكر في قوله تعالى وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ يعني الخصاء . وروى ابن عمر عن النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم أنه نهى أن تخصى الإبل والبقر والخيل ، وكان ابن عمر يقول : منها نشأة الخلق فلا تصلح الإناث إلا بالذكور : يعني أن اللّه خلق الذكور والإناث للنسل ، وفي الخصاء قطع النسل ، فلا يجوز أن