نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
36
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
( قال الفقيه ) رحمه اللّه تعالى : من أراد أن ينال هذه الكرامات فعليه أن يداوم على خمسة أشياء : أوّلها أن يمنع نفسه من جميع المعاصي قال اللّه تعالى : وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى الآية ، والثاني : أن يرضى باليسير من الدنيا لأنه روي في الخبر « أن ثمن الجنة ترك الدنيا » والثالث : أن يكون حريصا على الطاعات فيتعلق بكل طاعة فلعل تلك الطاعة تكون سببا للمغفرة ووجوب الجنة قال اللّه تعالى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وفي آية أخرى جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وإنما ينالون ما ينالون بالاجتهاد في الطاعات . والرابع : أن يحب الصالحين وأهل الخير ويخالطهم ويجالسهم فإن واحدا منهم إذا غفر له يشفع لأصحابه وإخوانه كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « أكثروا الإخوان فإن لكل أخ شفاعة يوم القيامة » والخامس : أن يكثر الدعاء ويسأل اللّه تعالى أن يرزقه الجنة وأن يجعل خاتمته إلى خير . وقال بعض الحكماء : الركون إلى الدنيا مع ما يعاين من الثواب جهل ، وإن ترك الجهد في الأعمال بعد ما عرف ثوابه عجز ، وإن في الجنة راحة ما يجدها إلا من لم يكن له في الدنيا راحة ، وفيها غنى لا يجده إلا من ترك فضول الدنيا واقتصر على اليسير من الدنيا ، وذكر عن بعض الزهاد انه كان يأكل بقلا وملحا من غير خبز ، فقال له رجل قد اقتصرت على هذا فقال إني إنما جعلت الدنيا للجنة وأنت جعلت الدنيا للمزبلة : يعني تأكل الطيبات فتصير إلى المزبلة ، وإني لآكل لإقامة الطاعة لعلي أصير إلى الجنة . وذكر عن إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى أنه أراد أن يدخل الحمام فمنعه صاحب الحمام وقال : لا تدخل إلا بالأجرة ، فبكى إبراهيم وقال : اللهم لا يؤذن لي أن أدخل بيت الشياطين مجانا فكيف لي بالدخول بيت النبيين والصديقين مجانا . وذكر أن في بعض ما أنزل اللّه تعالى على بعض أنبيائه عليهم الصلاة والسّلام : يا بن آدم تشتري النار بثمن غال ولا تشتري الجنة بثمن رخيص ، وتفسير ذلك أن فاسقا لو أراد أن يتخذ ضيافة للفساق فربما ينفق فيها المائة أو المائتين ويخفّ عليه ذلك فهو يشتري النار بثمن غال ، ولو أنه اتخذ ضيافة لأجل اللّه تعالى بدرهم أو درهمين فيدعو إليها بعض المحتاجين لثقل عليه ذلك فيكون ذلك ثمن الجنة . وروي عن أبي حازم أنه قال : لو كانت الجنة لا يدخل فيها أحد إلا بترك جميع ما يحب من الدنيا لكان يسيرا في جانبها ، ولو كانت النار لا ينجو منها إلا بتحمل جميع ما يكره لكان يسيرا في جانبها ، فكيف وقد تدخل الجنة بترك جزء من ألف جزء مما تحب وقد تنجو من النار بتحمل جزء من ألف مما تكره . قال يحيى بن معاذ الرازي : ترك الدنيا شديد وترك الجنة أشد منه وإن مهر الجنة ترك الدنيا . وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من يسأل اللّه تعالى الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة ، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار » فنسأل اللّه تعالى أن يجيرنا من النار وأن يدخلنا الجنة ، ولو لم يكن في الجنة سوى لقاء