نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

311

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل فإن فيهم الأعاجيب ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » وقال الحسن : لولا العلماء لصار الناس كلهم مثل البهائم . الباب العاشر : في آداب المذكر ( قال الفقيه ) أبو الليث رحمه اللّه : أوّل ما يحتاج إليه المذكر يجب أن يكون صالحا في نفسه لأنه لو لم يكن صالحا يهرب منه العقلاء ويقتدي به السفهاء فيكون في ذلك فساد العالم وكلامه لا ينجع في قلوب الناس ، وينبغي للمذكر أن يكون ورعا فلا يحدّث الناس بحديث لم يصح عنده لأنه روي عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « من حدّث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين » وينبغي أن لا يطول المجلس فيمل الناس لأنه يذهب بركة العلم . وروي عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : إن للقلوب نشاطا وإقبالا وإن لها تولية وإدبارا فحدث القوم ما أقبلوا عليك . وروي عن الزهري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « روحوا القلوب ساعة فساعة » وروى زيد بن أسلم عن أبيه قال : كان قاض في بني إسرائيل يطول عليهم فأملهم فلعن ولعنوا . وينبغي للمذكر أن يكون متواضعا لينا ولا يكون متكبرا ولا فظا غليظا لأن التواضع واللين من أخلاق النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم قال تعالى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ وإذا أراد أن يخبر الناس بشيء من فضائل الصلاة والصيام والصدقة ، فينبغي أن يعمل به أولا حتى لا يكون من أهل هذه الآية أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وقال إبراهيم النخعي : إني أكره القصص لثلاث آيات وقد ذكرناها ، وينبغي للمذكر أن يكون عالما بتفسير القرآن والأخبار وأقاويل الفقهاء . وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه أنه رأى رجلا يقص للناس فقال له أتعرف الناسخ والمنسوخ ؟ فقال لا ، فقال له عليّ : هلكت وأهلكت . وينبغي للمذكر إذا حدث الناس أن لا يقبل بوجهه إلى واحد بل يعمهم . وقد روي عن حبيب بن أبي ثابت أنه قال : من السنة أن لا يقبل بوجهه على رجل واحد ولكن يعمهم ، ولا ينبغي للمذكر أن يكون طماعا لأن الطمع يذل الإنسان ويذهب بهاء الوجه والعلم ، ولو أهدى إليه إنسان من غير مسألة فلا بأس أن يقبل هديته ، وينبغي أن يكون في مجلسه الخوف والرجاء ، ولا يجعل كله خوفا ولا كله رجاء لأنه نهى عن ذلك فإن كان المذكر يحتاج إلى تطويل المجلس فيستحب له أن يجعل في خلال مجلسه كلاما يستظرفونه ويتبسمون بذلك فإن ذلك يزيد نشاطا وإقبالا على السماع . وقد روي عن عمر رضي اللّه تعالى عنه أنه كان إذا جلس رغب الناس في الآخرة وزهدهم في الدنيا ، فإذا رآهم قد كسلوا أخذ في ذكر الغرس والبناء والحيطان ، فإذا رآهم قد نشطوا أقبل في ذكر الآخرة .