نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

292

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

قلت بكم ؟ قال بدرهم ودانق ، فقلت قم فقام فعمل ذلك اليوم عمل ثلاثة رجال ، فلما كان بالمساء وزنت درهمين ودانقين وأحببت أن أعلم ما عنده ، قال لم هذا ؟ قلت درهمان ودانقان ، قال ألم أقل لك بدرهم ودانق قد أفسدت عليّ أجرتي لست آخذ منك شيئا ، قال فوزنت له درهما ودانقا فأبى أن يأخذ وألححت عليه ، فقال سبحان اللّه أقول لا آخذ وتلح عليّ فأبى أن يأخذ ومضى . فأقبلت على أهلي فقالت فعل اللّه بك ما أردت من الرجل قد عمل لك عمل ثلاثة أيام وأفسدت عليه أجرته ، قال فجئت يوما أسأل عنه فقيل إنه مريض ، فاستدللت على بيته فاستأذنت عليه فدخلت عليه فإذا هو مبطون في خربة ليس في بيته شيء إلا ذلك المروز والزنبيل ، فسلمت عليه فردّ عليّ السّلام فقلت له لي إليك حاجة وتعرف فضل إدخال السرور على المؤمن وأنا أحب أن تأتي إلى بيتي أمرّضك ، قال أتحب ذلك ؟ قلت نعم ، قال آتيك بثلاث شرائط ، قلت نعم ، قال أحدها أن لا تعرض عليّ طعاما حتى أسألك ، قلت نعم ، والثانية إذا متّ أن تدفنني في كسائي هذا وجبتي هذه ، فقلت نعم ، قال أما الثالثة فهي أشدّ منهما وسأخبرك عنها ، فحملته إلى منزلي عند الظهر ، فلما أصبحت من الغد ناداني يا عبد اللّه ، فأتيته فقلت ما شأنك ؟ قال الآن أخبرك عن حاجتي الثالثة وإني قد احتضرت : يعني قد حضرت وفاتي ، ثم قال افتح صرة على كمّ جبتي ففتحتها فإذا فيها خاتم له فصّ أخضر ، فقال لي إذا أنا مت ودفنتني فخذ هذا الخاتم وادفعه إلى هارون الرشيد أمير المؤمنين وقل له يقول لك صاحب هذا الخاتم : ويحك لا تموتن على سكرتك هذه فإنك إن مت على سكرتك ندمت على ذلك . فلما دفنته سألت عن يوم خروج هارون الرشيد وكتبت له القصة وتعرّضت له فدفعتها إليه وتأذيت أذى شديدا ، فلما دخل القصر وقرأ القصة قال عليّ بصاحب هذه القصة ، فدخلت عليه فقال ما شأنك . فأخرجت الخاتم ، فلما نظر إلى الخاتم قال من أين لك هذا ؟ فقلت دفعه إليّ رجل طيان ، ونظرت إلى دموعه تتحدر من عينيه على لحيته ومن لحيته على ثيابه ويقول طيان طيان وقربني منه وأدناني ، فقلت يا أمير المؤمنين إنه أوصاني أيضا ، وقال لي إذا أوصلت إليه الخاتم قل له إنه يقرئك صاحب هذا الخاتم السّلام ويقول لك لا تموتن على سكرتك هذه فإنك إن مت على سكرتك هذه ندمت ، فقام على رجليه قائما فضرب بنفسه على البساط وهو يتقلب برأسه ولحيته ويقول يا بني نصحت أباك حيا وميتا ، فقلت في نفسي كأنه ابنه ولم أشعر به ، فبكى بكاء طويلا ثم جلس وجاءوا بالماء وغسل وجهه ثم قال كيف عرفته ؟ فقصصت عليه القصة فبكى بكاء شديدا طويلا ثم قال : كان هذا أول مولود ولد لي فكان أبي المهدي ، ذكر لي أن يزوجني زبيدة فنظرت يوما إلى امرأة فعلق قلبي بها فتزوجتها سرا من أبي وأولدتها هذا الولد ، فأنفذتهما إلى البصرة ودفعت إليهما هذا الخاتم وأشياء كثيرة وقلت لها اكتمي نفسك فإذا بلغك أني قد قعدت للخلافة فأتيني ، فلما قعدت للخلافة سألت عنهما فذكر لي أنهما ماتا ولم أعلم أنه باق فأين دفنته ؟ فقلت